الرئيسية | قضايا و آراء | العبادة والتشوّف لغاية وَحدة الأمة1/ د. إبراهيم نويري

العبادة والتشوّف لغاية وَحدة الأمة1/ د. إبراهيم نويري

العبادة والأخلاق في الإسلام نسق فريد، وهما جانبان متلازمان متلاحمان، كأنهما وجهان لعملة واحدة، لا ينفكان إلا في عالم المفردات والمصطلحات. ولا ريب أن مفهوم العبادة في الإسلام ومنهجه واسع شامل لكلّ حركات ومنجزات الإنسان المسلم المستصحب في نيته وضميره طاعة الله والقيام بأوامره ومقاصد شرعه ومنهجه.
فلهذه العبادات حِكَمُها العظيمة التي يحيط العقل البشري ببعض دلالاتها وثمراتها وفوائدها ويعجز عن الإحاطة ببعضها الآخر، وحسبُ هذا العقل أن يدرك بأن الله تعالى إذا تعبّد الإنسانَ بمناسك معينة أو مخصوصة، فإن فيها الخير كله، فهو سبحانه لا يتعبّده إلا بما يُصلح نفسه ويُزكّيها، وبما يعود عليه بالخير والبركة والتزكية في حياته الروحية والمادية والاجتماعية وغيرها.
شعائر الإسلام ومغزى الوحدة
ولقد جاءت شعائر الإسلام كلها لتؤكد حقيقة معنى الوحدة. فصلاة الجماعة عبادة يومية جعلت منها الشريعة السمحة مظهراً من مظاهر الاتحاد والانسجام والتآلف؛ فالمسلمون يجتمعون عدّة مرات في اليوم الواحد في تظاهرة وحدوية تنظم صفوفهم خلف إمام واحد وفي اتجاه قبلة واحدة، وقلوبهم نحو هدف واحد، هو طاعة الله و امتثال أمره و أداء فرضه. كما أن صلاة الجمعة، مظهر آخر من مظاهر الاتحاد والاجتماع للنظر في راهن واقع الأمة وما تعيشه من أوضاع وما تجابهه من تحديات ومشكلات وأوهاق، وهي دورة تعبوية أسبوعية إسلامية عبادية تجسّد جانبا من جوانب حرص المنهج الإسلامي على وحدة الأمة.
فالصلاة فرضها الله تعالى على المكلفين خمس مرات في اليوم والليلة، وهي تشي بوحدة المسلمين في الغاية والهدف، فقد جعل الله تعالى مواقيتها واحدة وركعاتها واحدة وهيئتها واحدة لا تختلف من بلد إلى بلد، أو من جيل إلى جيل، ويتمّ الإعلان عنها بصوت ندي فيستجيب المؤمنون للنداء، ويجتمعون كلما سمعوا هذا النداء في بيت من بيوت الله تعالى يناجون رباً واحداً ويؤدون أعمالاً واحدة ويتجهون إلى قبلة واحدة، فأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة المصلين في الجماعة، يصلون خلف رجل واحد هو الإمام، ويبتهلون إلى ربّ واحد هو الله الواحد الأحد، ويتلون كتابا واحداً هو القرآن، ويتجهون إلى قبلة واحدة هي الكعبة الشريفة في أول بيت مبارك وُضع للناس، ويقومون بأعمال واحدة من قيام وقعود وركوع وسجود، إنها وحدة نفذت إلى اللباب ولم تكتف بالقشور، وحدة في النظرة والفكرة، ووحدة في الغاية والوجهة، ووحدة في المظهر والمخبر، وبذلك يصح الجزم بأن الإسلام دعا أبناءه إلى صلاة الجماعة ليتعارفوا فلا يتناكروا، ويتقاربوا فلا يتباعدوا، ويتحابوا فلا يتباغضوا، ويتصافحوا فلا يتشاحنوا، لأن الحكمة منها دالة بذاتها على جمع الكلمة والتعارف والتآلف.
إن ركعات الصلاة وهيأتها لا تتغير جزئيا ولا كليا عندما يؤثر المسلم أداءها لسبب أو آخر بمفرده . غير أن الإسلام ضاعف أجرها بضعاً وعشرين مرة أو يزيد إذا اختار المسلم أداءها إلى جانب إخوانه في صف واحد أو في صفوف متناسقة، وهذا الإغراء ينمّ عن مدى ترغيب الإسلام في الانضواء إلى الجماعة ونبذ العزلة، والانخراط في المناشط العامة التي تؤديها الأمة المسلمة مما يحتاج إليه المجتمع. وهذا أمر يدلّ على أن الإسلام يكره للمسلم أن ينحصر في نطاق نفسه، أو أن يؤثر مصلحته الخاصة على مصلحة الجماعة أو المجتمع الذي يحيا بين جنباته. فيتضح من ذلك أنه لمقصد أن يمتزج المسلم بالجماعة فقد «شرع الله الجماعة للصلوات اليومية، ورغب في حضورها وتكثير الخُطا إليها، ثم ألزم أهل القرية الصغيرة أو الحي الآهل أن يلتقوا كلّ أسبوع لصلاة الجمعة، ثم دعا إلى اجتماع أكبر في صلاة العيد جعل مكانه الأرض الفضاء.. وأمر الرجال والنساء بإتيانه إتماما للنفع وزيادة في الخير».
إن الصلاة من أعظم وأجلّ الفرائض والعبادات الجامعة للمشاعر والقلوب، ففي أجوائها يشعر المسلم في كلّ يوم يتصرّم، برسوخ معنى الوحدة والانتماء للأمة؛ فهو في الصلوات الخمس يتّجه إلى الكعبة الشريفة بمكة المكرمة، قبلة المسلمين أجمعين، فيحس بأنه واحد من ألوف الملايين من إخوان العقيدة ممن يتّجهون إلى هذه القبلة، فيشعر بأن قلبه مرتبط بالله رب العالمين، ومرتبط بالمسلمين في شتى بقاع المعمورة بهذه القبلة التي توحّد قلوبهم ومشاعرهم وغاياتهم.
ثم إن المقيم لهذه العبادة على النحو المرسوم يكون رضيّ النفس، حسن الخلق، جيّد المعاملة، عضوا نافعا في المجتمع الذي يعيش فيه، وإذا كان الفرد صالحا صلحت الجماعة أيضا بالتبعية لذلك كما هو معلوم. فهذا هو على الراجح السر في حثّ الإسلام على الجماعة والتنويه بعظيم منزلتها، التي لا تُدرك حقيقتها من الناحية العملية إلا عن طريق أداء الصلاة وفقه كنه جميع العبادات الجماعية أو ذات البعد الاجتماعي، فهي الأمر الكفيل بانتفاء فوارق اللون وفوارق الثراء وفوارق الدم، ونحو ذلك من الفوارق، فيشعر الفرد شعوراً حقيقياً بأنه للجماعة، وتشعر الجماعة بأنها للفرد.. لكن يُلاحظ أن هذه الحكمة لا تتحقق بصفة تامة أو على الوجه المطلوب إلا إذا أقبل المصلي على عبادته بوعي كامل ويقظة حادة وتأمل عميق، أما إذا تجردت الصلاة والعبادة من هذا الوعي وإدراك المقاصد فإنها ربما تكون قليلة الثمرة أو عديمة الجدوى.
يتبع

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …