الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | وقفة مع عارف/ محمد الصالح الصديق

وقفة مع عارف/ محمد الصالح الصديق

لي وقفة تاريخية في بعض الكتب مع هذا الرجل: صفوان المازني، فأردت أن يشاركني فيها القارئ الكريم، فقلت:

إنه صفوان بن محرز العابد الباكي، والبكاء في عصرنا لا يفهم إذا ذكر إلا أنه دليل على مصيبة أو ضعف، ومن هنا ينفر منه الناس، ولا يحبون أن يكدروا صفو حياتهم بذكره، ولكن البكاء في عهد مضى، وبالنسبة إلى بعض العباد، أمثال صفوان المازني، قيمة غالية، وعنوان على رسوخ العقيدة، وعمق الإيمان ودليل على حياة القلب ورقته، وخوفه من الله وخشيته منه.

كان صفوان عابدا زاهدا بكاء، يقول عبد الله بن رباح: كان صفوان المازني إذا قرأ هذه الآية:{ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} بكى حتى أقول اندق قصيص زوره. ويقول غيلان بن جرير: كانوا يجتمعون فلا يجدون لقلوبهم رقة، فيقولون: يا صفوان حدث أصحابك فيقول:(الحمد لله) –ما يقول غيرها- فيرق القوم، وتسيل دموعهم من أعينهم كأنها أفواه المزادة!

ولم يكن صفوان من أولئك المنطوين على أنفسهم الذين لا يختلطون بالناس ولا يعلمون عنهم شيئا، بل كان إذا ألقى حكمة فكر فيمن يتلقاها عنه، وقرأ الحساب في أثرها وثمرتها.

روى الربيع عن أنس أنه كان عند صفوان حين دخل عليه شاب من أصحاب الأهواء، فذكر له شيئا، فقال له صفوان في لهجة حازمة:

أيها الفتى، ألا أدلك على خاصة الله تعالى التي خصّ بها أولياءه؟ يقول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}!

وروى محمد بن واسع:

رأيت صفوان بن محرز وأناسا في المسجد قريبا منه يتجادلون، فقام ونفض ثوبه وقال: إنما أنتم جرب، وجاء في مجلة “المسلمون” ع3 ص2 يناير1954: أن صفوان أسند عن عدة من الصحابة رضوان الله عليه، منهم عبد الله ابن عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، وحكيم بن حزام، وكثير من الأحاديث التي رواها، تكشف عن قلبه النضر فيما تلقى وحفظ.

وروى حماد بن ثابت أن صفوان كان له خص فيه جذع، فانكسر الجذع، فقيل له ألا تصلحه؟ فقال: دعوه…فإنما أموت غدا. وقد مات في غده رضي الله عنه وأرضاه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …