الرئيسية | في رحاب الشريعة | البيان الثاني من بيان الفرقان لإعلاء مدنية الإيمان/ محمد مكركب

البيان الثاني من بيان الفرقان لإعلاء مدنية الإيمان/ محمد مكركب

قد بَيَّنَا في المقال السابق تحت عنوان:(بيان الفرقان، لخروج الأمة من نزاع الشنآن إلى أخوة الإيمان) أن الخلل في ابتعاد المسلمين عامة وبعض العلماء والأمراء عن منهج القرآن خاصة في السببين الكبيرين: الحوار العلمي العقلي في ظل الإيمان والتقوى، والحوار العلمي العقلي مع قيمة الشورى العلمية، مما أدى ذلك الابتعاد عن حلول القرآن إلى الانحراف عن طريق الحق وأسباب الصلاح والإصلاح. وكما أعرض كثير من الخلق عن رسالة السماء وما فيها من الهداية والرشاد، لم يأبه كثير من الملإ من شعوبنا بما بيناه في المقال السابق ولا في كتابنا (سياسة الائتلاف منذ 2010م) سبق أن بينا الأساسين، وإليكم الأساس الثالث.

3 ـ الأساس الثالث:(لحل الأزمات السياسية والاقتصادية): استثمار القوة الذاتية والانطلاق من البعد العملي لمعنى التوكل على الله سبحانه.

والمقصود من هذا الأساس من أسس حل مشكلة الخصومات السياسية، هو أن أي شعب عربي مسلم يجتهد وحده من تلقاء نفسه مع علمائه المخلصين إن كان تقيا متوكلا على الله تعالى، وحينها سيخرج من كل الأزمات بفضل الله عز وجل، لما يملك الشعب من قوة علمية وشبابية وثروات طبيعية وأسباب كافية، فضلا عن القوة السببية الكبرى وهي التي تتمثل في اتحاد هذه الشعوب إن اتحدت بالإيمان، وبما أن أغلب الشعوب العربية عميت عن الاتحاد وفضلت البقاء في مستنقعات الخصام والعناد والتخبط في حفر الفساد والانسداد. فإننا نقول لشعبنا للشعب الجزائري يكفيك بإذن الله ما عندك من الأسباب الذاتية مما أعطانا الله سبحانه.

والمقصود من التوكل عن يقين؟ والاعتماد على الأسباب الخاصة، هو: عدم الاعتماد على الكفار، وعدم الاستعانة بوسائلهم، بل وعدم الثقة في كل ما ينتجون، وأن يكتفي المسلمون بما يُعِدونه وينتجونه بأيديهم. لماذا؟ لأن أكثر المشاكل بين المسلمين هي من دسائس الكفار، ومن يحتمي بالكفار ويستعين بهم كمن يبيعهم شرفه وأسراره وكرامته، لو أن شعبا من الشعوب الإسلامية لا يملكون إلا العصي والحجر، وأحسنوا التوكل على الله، وأحسنوا التعاون مع بعضهم لنصرهم الله  على أقوى سلاح في العالم، ولكنهم ضعفوا في التوحيد واعتصموا بالتقليد. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:{مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[البقرة:105].

ومن الوصايا: المحافظة على السر والكتمان:{وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء:83] وهذا يقتضي ترشيد الإعلام ليعلم الصُّحُفِيُّون ماذا يذيعون وماذا لا يذيعون للعالم، وقبل واجب الصحفيين واجب الحكام بأن يفتحوا صدورهم لعلمائهم، ويتشاوروا معهم بنية وإخلاص، ولايفشون أسرارهم لأعدائهم. ورد في الأثر:[ استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود] أجل ما زلت تسأل: لماذا لا يتعاون المسلمون، لماذا نجد بعض الحكام لا يستشيرون علماءهم، ونجد علماء لا ينصحون حكامهم؟ ونجد مهندسين وباحثين وعباقرة يهجرون وطنهم ليشاركوا في بناء قوة الغير ويتركون أوطانهم ضعيفة متخلفة؟ ولماذا أصحاب الأموال يستثمرون أموالهم في الخارج، أو يبذرونها أو يُهَرِّبونها إلى بلدان غيرهم ولا يخدمون أوطانهم؟ ولماذا، ولماذا؟؟ والجواب إنه الابتلاء بسبب الجهل والغباء.

4 ـ الأساس الرابع: تنقية المجتمع وتطهيره من الظلم والباطل والفساد: بأن يُنَقَّى المجتمع من كل المحرمات، ومن المحرمات المهلكة:(الظلم، وتبذير المال العام). وهاتان المعصيتان هما اللتان أهلكت هذه الشعوب المتخلفة {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات:9)

فتدبروا قول الله تعالى:﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ العدل في المعاملات والخصومات، العدل في توزيع الدخل العام والثروات، العدل في التعليم والتوظيف والمناصب والترقيات، العدل في المسكن والمزايا المجتمعية والفرص وفتح الأبواب لكل القدرات ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾[كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه] فليكن حكم الحكام بالعدل الذي لا ظلم فيه، والتعامل مع كل المواطنين بالقسط الذي لا حيف فيه، بالعدل يصلح المجتمع، وبالظلم ينهار {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[المائدة:42] ومن الباطل الذي بسببه ينهار المجتمع:( التبذير) تبذير أموال الأمة. قال الله تعالى:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}[الإسراء:27] فكل من الإسراف والتبذير لا يحبهما الله تعالى. لأنهما رذيلتان تؤديان إلى الخراب.

قديما قيل العدل أساس الملك. وأمر الأنبياء أن يحكموا بالعدل، ومما أمر الله سبحانه بها أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. ولو ساد العدل من قبل الحكام في كل المجالات التي ذكرناها أعلاه لكانوا وكانت هذه الشعوب أسعد الناس في الدنيا والآخرة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً}[النساء:135] قولوا الحق، واشهدوا بالحق، واحكموا بالحق.

وكما يجب أن يُطهَّر المجتمع من الظلم والتبذير والإسراف، يجب أن يُطَهَّر من بيع الحرام ومن صور انتشار الحرام. ومن الحرام صناعة الخمر وبيعها ونقلها وشربها والترخيص لبيعها وكراء محل لبيعها، وغراسة العنب المخصوص للخمر.

قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}[المائدة:90،91] ومن الحرام المنتشر في بعض المجتمعات العربية التعامل بالربا. ومن المحرمات تفشي التعامل بالرشوة، والسرقة والاختلاس من المال العام{ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [المائدة:62]

ومن الحرام الذي بسببه تنتشر الخيانة وتنقص البركات وتشتد العداوة بين الناس، ظهور العري على الشواطئ، والمسابح الإباحية، والاعتراف بالملاهي الليلية، وانتشار المخدرات، كل ذلك أخطر على المجتمع من قوة عسكرية عدوة كبرى تهاجم المجتمع لتدميره!!. فإن المسلمين عندما كانوا مسلمين حقا، وكانوا مؤمنين صدقا، يجاهدون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله أمام سلاح الأعداء كانوا يفتحون البلدان ويبلغون الإسلام، وبنوا حضارة في العراق والأندلس ومصر، وعندما خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات ضيعوا البلدان وباعوا ضمائرهم للشيطان، فلا الأندلس حافظوا عليه، ولا العراق أبقوا على قوته وعلومه، ولا مصر هي أم الدنيا؟!! كما مدحها أهلها، ثم أين الشام يا أهل الإسلام؟ إنه الفساد الذي  يُشْقِي العباد، ويهلك البلاد.

كانت الأمة الإسلامية في عصورها المزدهرة يسوسها العلماء المجتهدون، ويجمعون حولهم المستشارين الفقهاء المخلصين الذين يعلمون العلم ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، بل كانوا لأي قضية مصيرية يجمعون لها العلماء ويَحُلُّون مشاكلهم بالكتاب والسنة بما يبينه العلماء، بعيدا عن التعالي والمشاحنات والأهواء. وعندما آل الحكم إلى غير العلماء أو إلى المستبدين برأيهم، وقعوا في الفتن والبلاء.. قال الله تعالى:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه:124].

والضنك في هذه الآية هو: الشقاء والعذاب والمحنة، ومن بين مظاهر الضنك: الغم والهم والألم والأزمات، فبعض الناس يعيشون بأكل الربا ويزدادون شقاء على شقاء، ويعيشون بأكل السحت والرشوة ويزدادون أزمات، ومن ثم يزدادون تعبا على تعب، وتخلف على تخلف[ اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، واغننا بفضلك عمن سواك](الترمذي.3563) ونحن في هذه المقالات نعالج الأزمات الاجتماعية والسياسية بين أبناء الشعب الواحد، ونقول: إن هذه الشعوب أعطاها الله سبحانه ما يكفيها من الحلال الطيب، فلماذا تغرق في الفقر والضعف والهوان؟ وأعطاها من الرجال والشباب والعلماء فكيف تُقَيِّدُ نفسها بعقد نفسية وعقد سياسية حتى كأنها  غريب غريق في محيط لا ساحل له؟ أو كتائه في صحراء لا حدود لها، ما هذا الهوان؟ يا أهل الإيمان إن كنتم مؤمنين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …