الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | الموضوع: لا يصح العقد على الحامل من الزواج الصحيح، ولا على الحامل من الزنا؟/ محمد مكركب

الموضوع: لا يصح العقد على الحامل من الزواج الصحيح، ولا على الحامل من الزنا؟/ محمد مكركب

قالت السائلة: إنها وقعتْ في فاحشة الزنا وحملَتْ من الذي زنا بها، ثم عقد عليها  من بعد الزنا ودخل بها، ثم سألت فقالوا  لها: تعيدين العقد لتصحيح الزواج. فهل العقد على الحامل صحيح؟ أم يفسخ ويعاد العقد؟ تقول: وأعادوا العقد فهل ما فعلوه صحيح؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين.  والصلاة والسلام على رسول الله.

 أولا: فاحشة الزنا جريمة كبيرة تفسد المجتمع، وتنشر الرذيلة، وتؤدي إلى ضياع الأنساب واختلاطها، وجعل الله جزاء من يرتكبها الجلد قبل الزواج، أو الرجم بعد الزواج، وعلى من يقع في هذه الخطيئة أن يتوب توبة نصوحا. قال الله سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً}[النساء:17] والتوبة فرض على كل من أذنب من المؤمنين. وقال الله تعالى:[وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[آل عمران:135] والفتوى أنه (جاز لمن زنى بامرأة أن يتزوجها، بعد التوبة وانقضاء العدة بالتمام، فبعد أن يتوب كل من الزاني والزانية وانقضاء العدة وانقضاء عدة الحامل أن تضع حملها، والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم).

ثانيا: قالت السائلة:(وحملت من الزاني الذي زنا  بها، ثم عقد عليها) والسؤال هنا هل حكم الحامل من الزنا كغير الحامل من الزواج الصحيح؟ رأينا الزانية غير الحامل أن الزواج بها جائز بعد التوبة النصوح، وبعد انقضاء العدة. وقد ورد في كتاب الفقه الإسلامي وأدلته:”يحل للزاني أن يتزوج بالزانية التي زنى بها، فإن جاءت بولد بعد مضي ستة أشهر من وقت العقد عليها، ثبت نسبه منه، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت العقد لا يثبت نسبه منه” وفي نفس المرجع:”قال أبو يوسف وزفر: لا يجوز العقد على الحامل من الزنا؛ لأن هذا الحمل يمنع الوطء، فيمنع العقد أيضاً، كما يمنع الحمل الثابت النسب، أي كما لا يصح العقد على الحامل من غير الزنا، لا يصح العقد على الحامل من الزنا.. وقال المالكية: لا يجوز العقد على الزانية قبل استبرائها من الزنا بحيضات ثلاث أو بمضي ثلاثة أشهر، فإن عقد عليها قبل الاستبراء، كان العقد فاسداً، ووجب فسخه، سواء ظهر بها حمل أم لا،}(7/156) وعلى هذا فالذين قالوا للسائلة: تعيدين العقد لتصحيح الزواج. عملوا بهذه الفتوى التي نصها:(فمن عقد على الحامل من الزنا قبل الاستبراء، كان العقد فاسداً، ووجب فسخه) قال ابن رشد:”واختلفوا (أي اجتهدوا في فهم الآية) في زواج الزانية، فأجازه الجمهور، ومنعه  قوم (وسبب تعدد اجتهادهم) في مفهوم قوله تعالى:{وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}[النور: 3] هل خرج مخرج الذم؟ أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله: {وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} إلى الزنا؟ أو إلى النكاح؟} (بداية المجتهد ونهاية المقتصد. 3/64) والجواب للسائلة فَفَسْخُ العقد الأول (أي نقضه وإبطاله) وإعادة عقد جديد صحيح. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثالثا: فهل فيه فتوى بجواز العقد على الحامل؟ ففي الحاوي الكبير في المذهب الشافعي. شرح مختصر المزني. تصنيف الماوردي. جاء فيه:”فمذهب الشافعي: أنه لا حرمة له (أي الزنا) في وجوب العدة منه سواء كانت حاملا من الزنا أو حائلا، وسواء كانت ذات زوج فيحل للزوج أن يطأها في الحال أو كانت خلية فيجوز للزاني وغيره أن يستأنف العقد عليها في الحال حاملا كانت أو حائلا غير أننا نكره له وطأها في حال حملها حتى تضع”. وجاء في الحاوي أيضا:”وقال مالك وربيعة والثوري والأوزاعي وإسحاق: عليها العدة من وطء الزنا بالإقرار إن كانت حائلا، ووضع الحمل إن كان حاملا، فإن كانت ذات زوج حرم عليه وطؤها حتى تنقضي العدة بالإقرار أو الحمل وإن كانت خلية حرم على الناس كلهم نكاحها حتى تنقضي عدتها بالإقرار أو بالحمل”(الحاوي الكبير.9/191) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

رابعا: ولد الحمل من السفاح ولد زنا ـ أي: وطأ الرجل المرأة  في الحرام أي قبل العقد عليها ـ يعتبر الولد من هذا الحمل (ولد زنا) فإذا تاب الزانيان وتزوجا يربيان ذلك الولد. وقد حذر الله من فعل الزنا فقال:{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(الإسراء:32) وأن الزاني لا يرث ولده من الزنا لأنه أب غير شرعي، والأم ترث منه بالفرض، فإذا لم يوجد غيرها أخذت التركة كلها، أي تأخذ الثلث فرضا، والباقي تعصيبا وهذه حالة خاصة بالأم في هذه الوضعية فقط، ومنه إذا تلاعن الرجل مع امرأته ونفى الولدَ فإن الولد يُنسب إلى المرأة ولا يُنسب إلى الرجل، ويعطى حكم ولد الزنا،. وولد الزنا  ليس عليه ذنب، ولا يتحمل جريمة الزنا وإنما الإثم على الزانيين اللذين كانا سببا في وجوده. والله أعلم، وهو العليم الحكيم.

خامسا: الواجب على  أولي الأمر من المسلمين أن يحيطوا الشباب بالرعاية الشرعية الواجبة عليهم، عملا بأمر الله تعالى:{قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}[الأنعام:151] ومن يقع في الفاحشة وجب على أولي الأمر أن يقيموا عليه الحد، عملا بما أمر الله عز وجل:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[النور:2] وكما يجب تحصين الشباب بالتربية وتحسين مناهج التعليم، والتأديب المباشر بالتهذيب التدريبي. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لحم القط (السنور) من فصيلة السباع المحرمة، لا يجوز أكله.

بقلم: الشيخ محمد مكركب أبران   قال السائل: أشارت امرأة على زوجتي أن تأكل لحم …