الرئيسية | على بصيرة | هذا…. أو السودان….!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

هذا…. أو السودان….!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

الشعوب كالمعادن، لابد لها من حرارة المحن، وحراك الدِّمن، وعراك السنن، للكشف عن محتوى جوهرها، وطبيعة مخبرها، وطينة عنصرها.

لقد ابتليت شعوب بأزمات الحروب الأهلية، فقاومت، وثبتت، ومنها شعب رواندا الذي مزقه القتال العرقي فأبيد مدنيوه، وهدمت موارده، وهمّش اقتصاده، واقتصاديوه.

ومع ذلك، ولدت رواندا من رماد إبادتها، وها هي اليوم – تواجه التحدي بالتصدي، وها هي اليوم تحاول إثبات وجودها على خارطة القارة الإفريقية.

وبالمقابل، تقف على شاطئ النيل الأزرق أرض الكنانة، التي كانت آمنة مطمئنة.

تنعم بالاستقرار المدني، والأمن الغذائي والسياسي، فطاف عليها طائف العنف العسكري، فغيّر معالم استقرارها وشوّه مظاهر استقرارها، فهوجم تجمع رابعة العدوية في عز القاهرة، فاغتصبت حرائر وارتكبت مجازر، وزج بعشرات الآلاف خلف قضبان السجون والحظائر وكان ما كان من انهيار الاقتصاد، والقدرة الشرائية للبلد الطاهر.

وجاءت ثورة التغيير في السودان المجاور، والثورة المضادة من الشعب الثائر وبدل أن يتعظ إخواننا السودانيون مما وقع في مصر الكنانة، وما لقيه شعبها من ألوان القمع والإهانة فيحلوا مشاكلهم بالحوار والاستعانة، أخذوا من أشقائهم في مصر مبدأ العنف والقوة، وفض الاعتصام الشعبي بالفظاظة والفتوة، وما راعانا إلاّ عفيفات تغتصب وأبرياء يقتلون بلا سبب، وتصميم على مواصلة القمع الأعمى، تحت الصلب، فيا للعجب؟

هذا إذن ما يحدث بالمشرق العربي والقرن الإفريقي من هول يشيب له الولدان، فإذا عدنا إلى عمق الجزائر، هذا البلد العربي المسلم الثائر، طالعنا وجه آخر لمعدن الشعوب أنه حراك شعبي متفتح الآفاق والدروب.

فهل آتاكم، نبأ الحراك الشعبي الجزائري الأصيل.. النابع من رحم وطموح الجمهور الوطني النبيل، يسانده جيش وطني جليل.

إنه المظهر الحضاري للشعب الواعي، الذي يملك ثقافة السلم والتغيير، ويرفع لافتات الأخوة، والمحبة، والتسامح وحسن التقدير.

إن ميزة الحراك الشعبي الجزائري الفريدة أنه جاء عاكسا، لكل معادلات الصدريات الصفراء، والحمراء والخضراء، التي تنبذ العنف، وتكفر بالدماء والإقصاء، ويلتمس القوة من وحدة التضامن، وقوة المطالب، وتعاون الأقوياء مع الضعفاء.

تبارك وقع الحراك السلمي الجزائري الذي يتخذ من الجهاد النوفمبري أو المبدأ الباديسي، سندا لطموحه ودعامة لصروحه ومشروعه، وضمانا لأصوله وفروعه.

وللأسبوع الثامن عشر من الحراك يزداد الجمهور الجزائري انتظاما، وانضباطا، واهتماما فما عرف العنف إلى صفوفه سبيلا، ولا عرف اللغو إلى لسانه دليلا، بل امتزج الجنسان فيه، امتزاج الشعب الموحد على نبل الأهداف، وقدسية الأعراف.

فيا أشقاءنا في الجزائر!

  • لقد ضربتم بحراككم الشعبي- أروع الأمثلة في حسن التنظيم، والانضباط والإخاء، فحذار أن تصيبكم يد سامّة أو عين لامّة تشوه معالم ما حققتم وتحققون في مشاريعكم الهامة.

داوموا على سلمية الحراك، بأن تجعلوا الشرطي، والعسكري، والمدني “خاوة خاوة” ففي ذلك قوة لإنجازكم وفخر لإعجازكم.

إن الفجر الصادق قد لاحت معالمه، وها هي رموز الفساد التي تساق أمام أعينكم إلى المصير المجهول، إلاّ علامة من علامات السير في الخط الصحيح.

اللهم لا شماتة في أحد؟ كل ما نريده هو أن يسـود العدل جميع القضايا المطروحة أمام العدالة، وحبذا لو تتصف المحاكمات بشفافية والمصداقية، وحرية الإعلام في نقل كل الوقائع.

إن العدل هو أقوى جيش، وإن الأمن لهو أهنأ عيش.. كما يقول مثلنا العربي.

نحن إذن أمام مشروعين لا ثالث لهما فإما تجربة الحراك الشعبي الجزائري، الرائدة التي تحمي الجيش والمواطن، وتعلي من قيمة الوطن وما يحيط به من مَوَاطن وهو ما سيغدو مثلا يحتذى للشعوب المستضعفة، التي تتغلب باتحاد ضعفائها بالحق على قوة أقويائها بالباطل.

وإما النموذج الثاني، وهو الذي يمثل الصدام بين الشعوب والجيوش، والدوس على القوانين بالسلاح والدولارات والقروش.

وقد تبين أن البقاء للأصلح والأقوى والأنفع والأجدى.

فإما الحراك الشعبي الجزائري بعطائه وإيجابياته، وامتداداته وإما فض التجمعات الشعبية بالدم والدماء والدموع، وما سبقها من مآسي، ومخازي، ونعوذ بالله من السلب بعض العطاء وإن البقاء سيكون دوما للأصلح ﴿ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[سورة الأنبياء- الآية 105].

عن المحرر

شاهد أيضاً

تنظيم الاستحقاق، وخلط الأوراق

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم   يا ابن الأحرار والحرائر ويا ناظم الحراك وصانع التظاهر، …