الرئيسية | حديث في السياسة | هل نحن في حاجة إلى مجلس تأسيسي؟/ التهامي مجوري

هل نحن في حاجة إلى مجلس تأسيسي؟/ التهامي مجوري

 

بعد سبع وخمسين سنة من الاستقلال، لا يزال يوجد من بين الجزائريين من يطالب بمجلس تأسيسي للدولة الجزائرية، ولا أدري ِلمَ هذا المطلب الذي لم أر من يطالب به غير فئتين من الناس، فئة أيديولوجية تمثل أقلية لها رأي في هوية الجزائر، وهو أن الجزائر دولة متوسطية إفريقية أكثر منها مغاربية عربية إسلامية، تريد أن تفرضه عبر مجلس تأسيسي، وفئة ناقمة على النظام السياسي الذي فشل في بناء دولة، لا تزول بزوال الرجال، كما كان يسوق الخطاب السياسي الرسمي ولا يزال.

وبقطع النظر عن مشروعية هذا المطلب من عدمها، ومدى مصداقية هذا الرأي أو ذاك، فلابد من الكلام عن المجلس التأسيسي بما يستحق من القول، وبالمعنى البسيط التي يسهم في تجلية معناه للجميع، لاسيما غير المـُسيَّسين من الشعب؛ لأن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره كما يقول علماء الأصول.

فالمجلس التأسيسي بأبسط المعاني، هو عمل تأسيسي لدولة ناشئة، من حيث أن هذه الدولة غير موجودة ولابد من إنشائها، أو أنها كانت في إطار آخر مختلف عن الواقع الذي هي فيه الآن، وبهذا الاعتبار فإن الدولة الجزائرية غير موجودة، وما هو موجود لا يمثل دولة..، وهذا غير صحيح فالدولة موجودة مهما كان فيها من نقائص، ومهما قلنا عن مسيريها وقصورهم.

والمؤتمر التأسيسي الذي يطالب به المطالبون قد وقع في بداية الاستقلال، عندما استعاد الشعب الجزائري سيادته على أرضه، فكان ذلك المجلس يعبر عن تحول جذري من نظام استعماري مربوط باستعمار ومنظومته التدميرية إلى نظام وطني ثمرة لثورة دامت سبع سنوات ونصف، ومن ثم فقد وضعت أسس الدولة وخياراتها الاستراتيجية ومنظوماتها القانونية وهويتها بجميع أبعادها.

وكل ذلك لا يعني أن الصورة النهائية للمجتمع الجزائري قد فرغ منها منذ ذلك الحين، وإنما في تلك المناسبة وضعت أسس هوية المجتمع الجزائري ودولته بما يميزها عن غيرها من الدول والمجتمعات، وعلى رأس هذه الدول والمجتمعات الاستعمار الفرنسي، بحيث أصبح مفهوم البحر الأبيض المتوسط هو البحر الذي يفصل الجزائر عن فرنسا، وليس البحر الذي يصل الجزائر بفرنسا كما كان يريد الاستعمار.

وبحكم أن الاجتهاد البشري يشوبه النقص دائما، فإن طبيعة التفاعل مع الوجود تفرض تعديلات وإصلاحات وإعادة النظر في بعض القضايا…، وكل ذلك من الطبيعة التي أوجبها الله على الناس، فخلايا الجسم الإنساني تتجدد كل عشر سنوات، ومع ذلك تبقى بعض الخلايا لا تقبل التغيير، كخلايا الدماغ والذاكرة مثلا.

وعليه فإن ما يجري من إصلاحات وتغييرات واجتهادات –بقطع النظر عن الصواب والخطإ-، يدخل في عملية التحسين والتطوير، مثلما تتجدد خلايا جسم الإنسان تماما، ولذلك كانت سنوات السبعينيات والثمانينيات ملآ بالحوارات والتجاذبات الأيديولوجية، الثقافية والسياسية في مناقشات الميثاق الوطني في منتصف السبعينيات وإثرائه في منتصف الثمانينيات، والتعديل الدستوري في سنة 1989، وكل ذلك لم يتم لمراجعة كل الأسس التي حسمت فيها مواثيق الحركة الوطنية والثورة الجزائرية ومنجزات الدولة الوطنية، وعلى رأسها نداء أول نوفمبر الوثيقة الجامعة للمجتمع الجزائري بجميع مكوناته.

لا شك أن هناك مفاسد تسبب فيها النظام السياسي، وتجاوزات تسبب فيها رجاله، ولكن لا يعني ذلك أننا لم نكن في دولة!! أو كنا في فراغ مخل بهوية الدولة نحتاج إلى ملئه..، وإنما هناك مفاسد لابد من معالجتها من غير المساس بأصول الدولة وهويتها وأركانها.. فالدولة الجزائرية قائمة، وشعبها معروف ولا نحتاج إلى إعادة تعريفه أو التعريف به من جديد، وأرضها بحدودها القائمة لا تحتاج إلى إعادة النظر فيها.

قد يقول قائل لِمَ هذا الخوف من المجلس التأسيسي؟ وواقع الدولة الجزائرية بهذا المستوى من الوضوح والثبات.. فاتركوا للشعب إعادة النظر في هذا النظام، وهو حتما سيحسم الوضع لصالحة؛ لأن الأغلبية ستختار دائما ما اختارته الحركة الوطنية والثورة والدولة الوطنية بعد ذلك، وهذا كلام معقول، ولكن التجربة تقول إن إعادة النظر في الحقائق والمقررات نوع من العبث والاستئناف غير المبرر..، فكأننا نطلب من شخس معلوم النسب أن يعيد النظر في انتسابه لقبيلته أو لوالديه!! أليس هذا “هبال”؟

ومن جانب آخر قد تكون هناك مطالب مشروعة في زمن ما، أو مكان ما، أو في واقع ما، ولكنها عندما تقدم في غير زمانها ومكانها وواقعها، فإنها تصبح غير مشروعة بسبب ما يحيط بها من ملابسات وتشويش على سُلَّم الأولويات.

إن المطالبة بالمجلس التأسيسي في تقديري، مطالبة بتحويل النقاش السياسي عن مساره الطبيعي، الذي هو البحث الجاد في الخروج من الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، وأصله هو البحث في توفير الجو السياسي المناسب لإنجاح الإنتخابات الرئاسية، وما زاد عن ذلك يمكن معالجته في ظل مؤسسات الدولة الرسمية، بما في ذلك تعديل الدستور وقانون الانتخابات وتعديل هياكل الدولة الباقية.

على أن المرحلة الانتقالية الحقيقية ستبدأ من الرئيس المنتخب، الذي سيجد نفسه ببرنامج إصلاح ما أفسدته الثلاثين سنة الماضية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …