الرئيسية | شعاع | الفراعنة الصغار …والدروس المستخلصة/ د. حسن خليفة

الفراعنة الصغار …والدروس المستخلصة/ د. حسن خليفة

أنا أتابع ـ مثل ملايين الجزائريين والجزائريات ـ توالي  سقوط الرؤوس الكبيرة وتدحرجها على مشارف قاعات المحاكمة وجدران السجون، تذكّرتُ عنوان كتاب سبق أن قرأته ـ قبل نحو  ثلاثين عاما على الأقل،  وهو كتاب ” الفراعنة الصغار في هيلتون الناصرية” للكاتب جابر الحاج، والذي صدر عن دار الاعتصام القاهرية أواخر السبعينيات من القرن الماضي، متحدثا عن كبار المجرمين والفسدة في العهد الناصري وما ألحقوه بمصر من خراب ودمار وتمزيق، وكيف أثخن أولئك “الفراعنة الصغار” ـ كما سمّاهم ـ في جسم الأمة تمزيقا وإهلاكا؛ باسم القومية العربية وباسم الاشتراكية وبأسماء كاذبة خاطئة كثيرة أخرى كالاشتراكية ومجتمع المساواة الخ . وقد انتهت مصر إلى ما انتهت إليه بعد عهود من الحكم الفردي المظلم القاسي المتجبر المستكبر دولة  تابعة بلا وزن تقريبا.

ويمكن القول اليوم: إن لكل مجتمع ودولة فراعنتها الصغار الذين هم سببُ كل بلاء وأصل كل داء … ويمكن استشفاف الكثير من هذا الداء الذي ضرب وطننا من خلال ما تنشره الصحف والمواقع، وما تذيعه وتبثّه الفضائيات، ولعله قليل قياسا إلى الحقائق والأسرار والمعطيات الحقيقية التي قد تبقى خفية مخفية لبعض الوقت على الأقل؛ خاصة ما يتعلق منها بـ”جرائم النهب والدم والغصب”.

كما يمكن القول: إن سبب تأخرنا ـ كوطن وكمجتمع ـ يعود في مجمله إلى تسلّط هؤلاء الفراعنة الصغار على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة في كل الحقول، بذلك الشكل الذي جعلهم يبسطون نفوذهم ويسيّرون ـ بمزاجهم ـ دولة في حجم الجزائر، بثرواتها وإمكاناتها، ويعيثون فسادا في مقدّراتها وإنسانها وتاريخها وجغرافيتها وتراثها وأعراضها وسيادتها وكرامتها ..حتى صارت الجزائر كما أوصلوها إلي ذلك، دولة بحجم قارة ولكنها لا تكاد تجد لها تأثيرا لا في محيطها القريب ولا في محيطها الدولي، وقد كانت مرهوبة الجانب مسموعة الصوت، رائدة قائدة .

*****

أتصوّر أن أهم ما يمكن البحث فيه اليوم في ظل تداعي رؤوس الفراعنة الصغار في السياسة والتجارة والأعمال والاقتصاد هو البحث الجادّ عن مخارج وحلول حقيقية لمشكلات بلدنا المتعددة المركّبة، والتي هي من آثار التسيير الكارثي لهؤلاء على مدار عقود من الزمن.

فما أحوجنا اليوم إلى نخبنا العارفة العالمة لاجتهاد فردي وجماعي تلمّس السبل الخروج من المآزق المتنوعة، وترسيخا للقيم الجامعة المانعة التي يمكن أن تمنح لنا خروجا آمنا واستقرارا قادما دائما ، يثمر ازدهارا ورفاهية وتقدما ـ حقيقيا ـ في كل الميادين وجميع المجالات .

نعاني دون شك من تققهر في النمو ـ على خلاف ـ ما كان هؤلاء الفراعنة يكذبون به علينا ، مطبّلين ومصفقين لبرنامج “فخامته ” الذي حقق ـ في رأيهم ـ للبلاد ما لم تحققه الكثير من الدول، كما كانوا يزعمون.  ونعاني ضمن نسيج التقهقر والتأخر بصورة خاصة ما يتصل بتنمية الإنسان في عقله ووجدانه وقيّمه..وحاجتنا  ماسة إلى ثورة حقيقية نعيد بها مجد الجزائر وصناعة صورتها الحقيقية، بناء على رأسمالها الأساسي وهو “الإنسان” . فالجزائري كغيره من البشر الراشدين،  ليس لديه أي إشكال في أن يصنع مستقبله الإيجابي المشرق عندما يجد البيئة الدافئة المستوعبة الجالبة، وهو دور الحكم الراشد أساسا..

والجزائري  ـ أيضا كغيره من البشر الأسوياء الأقوياء الأمناء ـ قادر على رفع التحدي والاستجابة للإكراهات والتحدّيات المختلفة، عندما يتعلق الأمر بالوطن وسمعة الوطن، وقيمة الوطن وميراث الوطن.  وآلاف الجزائريين من طيورنا المهاجرة ـ كُرها ـ ما تزال ترسل نداءاتها وتبلّغ رسائلها في أنها تضع في البال الوطن في كل وقت، ومستعدة أن تمنح هذا الوطن كل ما يجب من خبرتها وعلمها ومالها ومعارفها ورأسمالها في التسيير والقيادة الذي حققته في دول كثيرة .

هناك إمكان حضاري ضخم لدى الجزائريين حيثما كانوا يمكن أن يحقق المعجزات في الإقلاع الحضاري السريع الموّفق ـ بعون الله ـ وهناك قدرات وثروات  فوق الأرض وتحت الأرض، وهناك قبل ذلك كله “إنسان ” جزائري كفء، ممتاز، محب لوطنه، مقتدر، أمين، ولو اجتمعت هذه العناصر كلها وحيك منها “نسيج حضاري” متميز لاستطاعت الجزائر أن تنهض النهضة المرجوة المرغوبة المنتظرة، ليس بحسب ما قدّره ورآه الخبراء المستشرفون الذين درسوا تفاصيل المعجزة الجزائرية في الإقلاع، وإنما بحسب ما يراه كل جزائري ـ تقريبا ـ والذي يؤمن أن الجزائر بلد متميز رائد، يمكن أن يحقق الفارق ـ بين الدول والأمم ـ في آجال قريبة وبواقعية وبرقم نمو مرتفع على الدوام .

وهناك دول لم تكن شيئا مذكورا ليس في أوروبا والأمريكتين، بل في قارتنا الإفريقية، استطاعت بتوفر المناخ والبيئة المعنوية والسياسية أن تحقق قفزات هائلة: كإثيوبيا، ورواندا، ودول أخرى غيرهما .والجزائر لا تقلّ عنها في شيء، بل تتفوّق بميراثها التاريخي المضيء، وبجغرافيتها الرائعة، وبموقعها الجيواسترتيجي، وبثراتها وإنسانها وبغير ذلك .

تُرى هل تنشدّ أنظارنا ـ وعقولنا قبل ذلك ـ إلى المستقبل، مستفيدين من هذا المنعطف التاريخي الهامّ؟ وهل نستخلص ما يجب استخلاصه على النحو الإيجابي المفيد وهو: الاجتهاد في البناء، والحرص على إعلاء شأن الوطن بالعمل الصالح النافع المؤسس على التقوى ؟

وهل نستفيد من هذه ا ليقظة، بعد فترة نوم دامت طويلا ؟

هل نستفيد ونجعل يقظتنا انخراطا جميلا في مسار رفع راية الصلاح والاستقامة والاقتدار على طريق بناء الوطن وتحقيق آمال الشهداء والمجاهدين الحقيقيين؟

وهل نستفيد من كل ما سبق، وبالأخص منه كيد الكائدين، وفعل المجرمين، وتخريب المخربين، وإفساد المفسدين فنعمل على تحصين الوطن من كل الأمراض والعلل وعواصف الانكسار والانهيار، ونجعل همّنا الأكبر هو إسناد الأمور إلى أهلها في القيادة الراشدة والتسيير الحكيم  والحوكمة الفاضلة ..وذلك متاح، وهو أخص ّ خصائص بناء المستقبل المختلف عن الحاضر الذي أوصلنا إليه الفراعنة المجرمون

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

“الربيئة “…مكسب معرفي رائد لجمعية العلماء وللوطن

  بقلم: حسن خليفة   بدت ـ وربّما ما تزال تبدو ـ لفظة “الربيئة ” …