الرئيسية | قضايا و آراء | الصندوق الفاسد!/ علي حليتيم‎

الصندوق الفاسد!/ علي حليتيم‎

في تجربته الشهيرة جدا قام زومباردو Philip Zimbardo بتقسيم مجموعة من طلبة جامعة ستانفورد Stanford University إلى سجناء وحراس. كان كل الطلبة يدركون أنهم إزاء تجربة علمية الغرض منها دراسة السلوك البشري في ظروف معينة وكانوا قد قرؤوا ووافقوا كلهم على شروط ومسار التجربة ومنها منع التعدي الجسدي على السجناء مثلا.

لكن الأمر المدهش الذي لاحظه زومباردو ومعاونوه هو أن الحراس بدؤوا يسلكون سلوكا قاسيا تجاه السجناء بل وساديا في بعض الأحيان ويحاولون أن يبتكروا كل الأساليب الممكنة لمعاقبتهم وإذلالهم، مع جنوح السجناء إلى الخضوع وقبول الإذلال والإهانة (فيما رفض البعض الآخر ذلك وقاموا بحركة “تمرد ” داخل زنزانتهم!) مما اضطر زومباردو إلى إيقاف التجربة في نهاية المطاف.

ومهما تكن القيمة العلمية للتجربة (تعرضت لانتقادات كثيرة)، فإن تجربة زومباردو تعد من أهم التجارب التي أسست للمدرسة الموقفية في علم النفس الاجتماعي في مقابل المدرسة السلوكية وانبثق عنها ما يسمى بنظرية الصندوق الفاسد حيث يقول زومباردو إنه لا يوجد أخيار ولا شرّيرون وإن الناس لا يستجيبون للمواقف وفق ثقافة أو تكوين سابق لكن وفق الظروف الآنية التي ستحدد مواقفهم وردود أفعالهم.

قد يرى القارئ في هذه التجربة تطرفا ونظرة جزئية إلى الإنسان تلغي ماضيه وعقائده ومبادئه (انتقدت هذه التجربة إثر فضيحة سجن أبو غريب لأن بعض الدارسين رأوا فيها محاولة لرفع المسؤولية عن الجنود الأمريكيين المتسببين في تعذيب السجناء العراقيين) لكنها تمكننا مع ذلك من مقاربة واقعنا السياسي في الجزائر في العقدين الماضيين.

لقد قام النظام السابق بإنشاء صندوق فاسد يتم تكييف كل من يدخل فيه على القبول بقواعده وفق نظام للمكافأة والعقوبة والترغيب والترهيب يصعب الخروج عليه حتى غدا هو القاعدة والأصل وتحول المنادون بالعودة إلى السبيل القويم شذاذا ومتطرفين.

ووفق ذلك الصندوق الفاسد قبل الناس بالمشاركة في التزوير والسكوت عن النهب والرضى بالقهر والإذلال وشعروا بالعجز إزاء ما يَرَوْن من خراب يشعرون أنهم شركاء فيه رغما عنهم.

وعمّ الصندوق الفاسد كل القطاعات: الإعلام والقضاء والإدارة والاقتصاد والوزارات وتحول الفساد إلى مؤسسة ومنظومة كاملة ووحيدة لا يمكن للمواطن أن يجد له دورا في المجتمع خارجها وبعيدا عنها!

وفي ظل كل هذا يجدر بنا أن نطرح الأسئلة الصحيحة ونتخذ الخطوات السليمة حتى لا نقع في الخلط والخطل: من وضع الصندوق الفاسد وكيف السبيل إلى تبديله وتغييره بصندوق آخر سليم صحيح؟!

ومهما تكن فائدة المحاكمات والمحاسبات التي ترسل رسالة إيجابية تقول إن زمن الإفلات من العقوبة قد ولّى وانتهى فإن أولوية الأولويات هو إبعاد واضعي الصندوق الفاسد واستبدالهم بواضعي صندوق صالح صحيح يقوم على الحريات والمساواة أمام العدالة والانتخابات غير المزورة وغير ذلك على قاعدة أن وقف مفسد واحد أولى من محاسبة الجمع من الفاسدين، والتمكين لمصلح واحد هو تمكين لكل المصلحين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …