الرئيسية | أرشيف جريدة البصائر | تأثير الحراك الجزائري على الوعي الفكري والمجتمعي/ د. ليندة طرودي

تأثير الحراك الجزائري على الوعي الفكري والمجتمعي/ د. ليندة طرودي

أثبت الحراك في الجزائر عن مدى ارتفاع الوعي الجمعي، دون أن ننسى الجانب الأخلاقي الحضاري في تعامل الشباب مع محيطهم بعد نهاية المظاهرات، من خلال مساعدة بعضهم البعض في تنظيف الأحياء والشوارع والأماكن الملوثة، فهذا أيضا أسلوب من أساليب انتقال الشعوب من بؤر التخلف إلى دائرة الازدهار، لكن هناك حلقة مفقودة فيما يخص بقية المستويات.

الشعارات التي يحملها الشعب كل جمعة تُعبِّر عن قدرته على فهم وتأويل الأحداث بطريقة تخدم مصالح العامة، لكن بقاء الأمر محصوراً في حيّز واحد لن يأتي بالتغيير الجذري الذي نُطالب به، ورفض الأغلبية لوجود ممثلين يضعنا أمام خيارين:

الخيار الأول: الاستمرار في الخروج كل أسبوع للمطالبة بسقوط الهرم السلطوي، دون تفاوض أو حوار بعدها يتم انتخاب رئيس بطريقة ديمقراطية تُحدّدها صناديق الاقتراع.

الخيار الثاني: القبول بالتفاوض من أجل وصول نُخب جديدة مثقفة إلى السلطة تعمل على تحسين الوضع، وإدخال إصلاحات جذرية.

لكن الخيار الثاني مرفوض من الجماهير، التي تبنّت الثورة التي تستوجب هدم كل ما هو قديم، وإعادة بناء مؤسسات جديدة، بمعنى أصح تغيير جذري على كافة المستويات، وهذا الأمر لا يحدث بين ليلة وضحاها، وإنما قد يستغرق سنوات عديدة.

منذ بداية الحراك في الجزائر وأنا أقرأ الكتب بطريقة مضاعفة، بدأت بـ: “لي كوان يو” أول رئيس وزراء لجمهورية سنغافورة التي حكمها لمدة ثلاث عقود متتالية، بكتابه “قصة سنغافورة” والذي جاء في طبعتين:

1/”قصة سنغافورة مذكرات لي كوان يو” ترجمة: د. هشام الدجاني.

2/ “من العالم الثالث إلى الأول: قصة سنغافورة: 1965-2000 ” ترجمة: محمد معين الإمام عن دار العبيكان.

تجولت فيهما بكل فضول، أتنهّد تارة وأبتسم وأندهش تارة أخرى، لماذا لم ننتقل من حيّز الدول المتخلفة؟ لماذا لم نصنع مجدنا وندخل التاريخ أيضا؟ ماذا ينقصنا ونحن نمتلك العقول الكافية، وفوق هذا بلدا بحجم قارة لا تنقصه الثروة البشرية كما الثروات الطبيعية التي حبانا الله بها، لكنّها وقعت بأيدي اللصوص والخونة، قال لي كوان يو: “اختيار الرجل المناسب للمناصب الدستورية الهامة، مثل رئيس المحكمة العليا ورئيس الجمهورية أمر حيوي وأساسي، والاختيار الخطأ قد يعني سنوات من الاحراج والارتباك أمام الرأي العام ومشاكل لا حصر لها”.

كما قال:” حين شعرت أنني جاهل بلغة العصر قررت وأنا في الثانية والسبعين تعلم استخدام الحاسوب ولم تكن العملية سهلة بالنسبة لفرد من جيلي”… وكان هذا بعد أن قررت عام 1984 بأن تدفع الحكومة رواتب الموظفين من خلال نظام “الجيرو” الإلكتروني.

هناك الكثير من التفاصيل لمن يُريد أن يطّلع على جهود القادة في بناء أوطانهم، وانتباههم لأدقِّ التفاصيل بداية بالجوانب الاقتصادية والمالية، مُررواً بالجانب المعلوماتي التكنولوجي، والأهم الجانب البشري المتمثل في تشجيع التعايش بين العرقيات.

لست أبحث عن الحل بقدر ما أبحث عن سطور معينة تلهمني، أو على الأقل تُمكِّنني من الإجابة على الأسئلة الملحّة، مثلي مثل بقية أبناء وبنات وطني الحبيب، وأنا أتمشّى وسط جموع المتظاهرين، أرفع الشعارات مثلهم، نتشارك نفس المطالب.

لكن بعد هذا الحماس، بدأت أُفكّر وأبحث في التفاصيل البسيطة التي ستجعل تجربتنا ناجحة بغض النظر عن المصطلحات التي باتت تُضلّلها أكثر ما تنفعها: الديمقراطية، الثورة، حكم الشعب، القضاء على الاستبداد والديكتاتورية.

نحن بحاجة للتعلّم أكثر وأكثر، فمن لا يقرأ لا يمكنه التحرك إلى الأمام، يجب أن نقرّر ما الخطوة القادمة بعيداً عن قولنا لا لكل الاقتراحات، يجب أن ندخل وسط اللعبة نتفاوض ونخرج بالحلول لأن الوقت يمر ووجب وضع بدائل أخرى إلى جانب الشارع.

الوعي الجمعي أولى الخطوات نحو التغيير، وهذا ما أثبته الشعب الجزائري المثقّف الذي يصنع مجده بنفسه، لكن يجب أن نجلس سوياً، نستمع لبعضنا نبحث عن الحلول ونضع البدائل اللازمة، نُريد أن ننهض ونواكب التطور الحاصل في هذا العالم، نمنح الشباب فُرصته، وقبل كلّ شيء يجب أن نتمسّك بوحدتنا فالمراحل القادمة حساسة تستوجب الكثير من الصبر وكذا الجهود المتواصلة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

لا لتكرار مأساة 1991/ عبد العزيز كحيل

 أريد أن يعلم الشباب أننا كنا ننعم بالحرية منذ 1988 أكتوبر، حرية يرعاها الرئيس الشاذلي …