الرئيسية | على بصيرة | ليل الجزائر بين الدعاء والرجاء / أ. د. عبد الرزاق قسوم

ليل الجزائر بين الدعاء والرجاء / أ. د. عبد الرزاق قسوم

قلوب الجزائريين، تدق هذه الأيام، على نبض الحراك الشعبي المتزايد الذي ترتفع وتيرته، وتتعمق شعائره، وشعاراته. وعيون الجزائريين بعد انقضاء الصيام والقيام معلقة بالسماء، موزعة بين الدعاء والرجاء، أن يبدد الله السحب الدكناء التي تلوث الفضاء، فيبزغ من ورائها فجر صادق اللمحات، يعوض ما فات، ويطمئن عما هو آت.

وبين الفجر الصادق، والفجر الكاذب، تاهت النفوس في ما يشبه الضياع، لأن الحراك الشعبي الذي هو أمل الأمة في كشف الغمة، تداعى عليه من لا يرقبون في الوطن إلاًّ ولا ذمة.

إن ليل الأزمة الجزائرية يزداد ظلاما واحلولاكا، بسبب انسداد الآفاق، ومحاولة ليّ وكسر الأعناق، وتدهور بعض القيم السياسية، وبُعدها عن الأخلاق.

ليت شعري! كيف وعى الطالب خطورة تأزم الجزائر وما تعانيه؟ وكيف أدركت المرأة الجزائرية أعراض المحنة السياسية وتبعات ذلك على الأسرة فيما تلاقيه؟ وكيف أيقن الفلاح في حقله، والتاجر في ركنه، والجامعي في مخبره؟ كيف أيقنوا جميعا خطورة الوضع الذي يدعو إلى أطباء إسعاف ومخلصين أحناف في حين جهَل السياسي ما ترسل به الأزمة من صفارات إنذار، وأعراض أخطار، فلا يحرك ساكنا في الإقدام على الخطوات الفعالة لإطفاء النار؟

إن وطننا الجزائري في وضع لا يحسد عليه، ولقد تبارى الطيبون والمخلصون في إرسال طوق النجاة، وتجسيد المبادرات، وانتقاء الأسلم من مواد الدستور التي تصلح لأن تكون قاعدة لإيجاد الحل الأمثل، واختيار الصالح الأفضل الذي يقود الجزائر إلى بر الأمان على أساس الحل الأشمل والأعدل.

فما بالنا كلما لاح لنا بصيص من الأمل في تجاوز حكم العصابات والشِّلل، عدنا إلى الوراء وقد استبد بنا اليأس والملل؟ فماذا تريد الجزائر من أبنائها المخلصين؟

وماذا يراد لها من المتآمرين، والمتسللين، والكائدين لطمس معالم وحدتها، وتسويد حماة بيضتها، وبذل المزيد من التآمر لإحكام قبضتها؟

إن الهبة الشعبية التي تسمى بالحراك، قد فصلت بالحكمة وفصل الخطاب القول في مصير هذا الحراك الشعبي، من أنه لا تراجع عن ثوابت الأمور، ولا عمل روح خارج الدستور.

فالجزائر إسلامية، أمازيغية، عربية لا يختلف في ذلك اثنان. ودين الدولة هو الإسلام، ولا ينازعها في ذلك إنس ولا جان، وأنها ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، حتى ولو أراد شرذمة منا فعل ذلك، كما حكم بذلك ابن باديس بالبرهان.

فالمبادرات التي خرجت إلى الساحة كلها تعمل على تجنب الجزائر أي انزلاق أو اختراق، فلماذا أدرْنا الظّهر لهذه المبادرات، وهي تمثل حقا طوق النجاة؟

إننا من موقع الوعي بمسؤوليتنا الوطنية، وحرصا منا على إنقاذ بلادنا من الوقوع في المزيد من الدركية، نعود فنؤكد على أن الأزمة الجزائرية لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار، وأن كل تأخير في حلها هو خطوة سريعة نحو الاندحار والانتحار. ولقد أصبح باديا لكل ذي عقل وذي عينين أن الحل ينبغي أن ينبع من رحم شعبنا، وفينا الصالحون، والمصلحون.

كما أن من القواعد التي تعلمناها في الحياة هو تغيير الفريق الرياضي عندما تتوالى هزائمه، وتغيير المسؤول السياسي عندما يثبت ضعفه وعجز أدائه، ولطالما نادينا إلى أن بحَّ صوتنا، أن الدستور يتيح لنا كل البدائل، ويقدم لنا الأمثل من الدلائل، فما الذي يمنعنا- وقد سلمنا بالمرحلة الانتقائية أو الانتقالية الدستورية- أن نستنجد بمن زكاه الحراك الشعبي بأغلبية كبيرة، ونمكنه من قيادة البلاد والعباد خلال فترة زمنية تحدد له، فيشرف على تحديد خارطة طريق سياسية تمكن من وضع معايير الانتقاء لمن تمكن أن يترشح لرئاسة الجمهورية، ولمعايير الكفاءة في الحكومة المطلوب تكوينها، ومن يستجيب لمعايير اللجنة المستقلة للانتخابات النزيهة الحرة، ذات المصداقية؟

لا أعتقد أن ذلك يمثل أية صعوبة لا من الناحية الدستورية، ولا من الناحية السياسية، فقط لا بد من التحلي بالشجاعة لوضع القاطرة على السكة.

إننا لو فعلنا ذلك لضمنا مجموعة من العناصر الإيجابية وأهمها:

1- الامتثال لروح الدستور الذي يمكن من الانتقال السلس بعد القطيعة مع سلوكات الماضي المعقدة نحو المستقبل الواضح المعالم.

2- الاستجابة لمطالب الشعب في تحقيق طموحه في أن تسند المهمة القيادية لمن يحظى بثقته، وينال تأييده.

3- إقبال الشعب ولاسيما الشباب على صناديق الاقتراع بعد أن كانت المقاطعة هي السمة الغالبة في الاقتراعات السابقة.

4- الرفع من المستوى الفكري في الأداء السياسي حتى لا تكون القضية خاضعة للولاء أو الانتماء وإنما يصبح عاملا القدرة وحسن الأداء هما العاملين الأساسيين في القيادة والإقتداء.

إن علماء الجزائر عموما، وجمعية العلماء الجزائريين على الخصوص، قد قدموا ما يجب أن يقدم، وقد أثبتوا أمام الله وأمام العالم أن ما يقومون به لإنقاذ هذا الوطن، هو باسم الولاء للوطن والوفاء للتاريخ، كما أن هذه الفئة العلمائية، لا تحكمها طموحات خاصة في مكاسب أو مناصب، بل أنها مسكونة بالهاجس الوطني، الذي يجعل منها الفئة التي باعت نفسها لله وللوطن، فلا تبغي بديلا من خير الأمة أو التاريخ.

وختاما، فإن ما يؤكد عليه العلماء، هو أن الوضع الحالي قد وصل مستوى من الخطورة لا يقبل الانتظار، وأن أي تأخير في حله هو مغامرة بالمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية للجزائر، كما أن أية خطوة غير محسوبة العواقب يمكن أن لا تأتي بما هو مرجو منها، فتتحول إلى ما يشبه الاستفزاز، والاستعداء، وهوس من شأنه أن يضاعف من الاحتقان لدى جماهير الحراك الغاضبة المتوترة.

إن الوطن اليوم يئن وهو في حاجة إلى كل من يخفف عنه جراحه، ويحقق آماله وأفراحه. ولنكن جميعا البلسم الذي تنشده الجزائر، وها هو صوتها يناديكم، فاسمعوه واستجيبوا للنداء.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وداعاً… يا أهرام مصر!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عجبت لقاهرة المعز لدين الله الفاطمي، هذه المدينة الصخّابة، الخلاّبة، التي تفتح شوارعها –هذه الأيام- …