الرئيسية | قضايا و آراء | تذكره دعاة الاسلام!/ علي حليتيم

تذكره دعاة الاسلام!/ علي حليتيم

كانت الحركة الإسلامية فيما مضى قائمة على منهج رصين وخطة مكينة محكمة قوامها تربية كل أفرادها على مبادئ الاسلام الأولى وأخلاق الانتماء إلى الدعوة الإسلامية وإلى مجموعة العاملين الذين يسعون إلى استئناف الحياة الإسلامية في الفرد والأسرة والجماعة.

وكان التقييم على هذا الأساس: الالتزام بالدين واستيعابه علما وعملا وفقه أدبيات الدعوة الإسلامية كما بينها العلماء والدعاة انطلاقا من الذكر الحكيم مثلما قال الله عز وجل:{ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[انظر مثلا كتاب ثقافة الداعية للشيخ يوسف القرضاوي].

لكن الانفتاح والعولمة والعمل السياسي قلب كل الموازين ودفع إلى الواجهة بأناس لم يعرفوا الدعوة من قبل ولم تعرفهم الدعوة إلا حديثا.  وهذا الانفتاح وإن كانت له إيجابيات ومحاسن مثل إزاحة بعض قدماء الدعوة ممن يريدون أن يخلدوا في المشهد ويريدون أن يبقوا زعماء مدى الحياة  ولا فضل لهم إلا أنهم كانوا رؤوسا منذ عشرات السنين  ويريدون أن يظلوا كذلك أبد الدهر، لكن من سلبياته أنه دفع إلى المشهد أناسا ما احترقوا  ولا عانوا ولا جلسوا الساعات الطوال أمام من يسبقونهم علما وتجربة في الدعوة فيحدثونهم عن التزكية والاستقامة والربانية والعلم والفهم؛ وقد قال الفاروق عمر رضي الله عنه من قبل:( تفقهوا قبل ان تسودوا)؛ والذي لا تصهره التربية سوف يُحكّم الهوى وتحكمه عاداته القديمة ورغبته في البروز وهو إذ لم تقدّمه التقوى والعلم والأهلية والأقدمية فإنه سوف يسعى بدلا من ذلك إلى القضاء على خصومه من أبناء الدعوة قبل غيرهم ومن ثم يحدث العفن.

الدعوة الإسلامية أحوج ما تكون إلى أن تستحضر أصولها وأولها الربانية وأنها تنتمي إلى الله عز وجل، وأنها محكومة بكتاب، ومحكومة بسنة، ومحكومة بقدوة هي رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيل الأول.

فما أحوجنا لأوبة تستدرك ما فات، وتذكر بما نسي، وتقوم ما انحرف، و تسطر بيننا مقياسا للتقييم والمحاسبة فيقيم المسلم نفسه على أساسه، وتحاسب الجماعة نفسها عليه. والناس يركبهم الزيغ ويحمشهم الهوى ويفقدون أخلاقهم عند الخلاف .

 

(انظر ماذا خالط قلبك) هكذا قال الجنيد ناصحا ومرشدا، وهكذا ينبغي. يجب أن يقول الدعاة لنفوسهم ولغيرهم إن دعوة تفقد أسسها من أجل موقف ظرفي محكوم بالزوال لن تعيش، وإن دعاة إلى الله يهدمون أدبياتهم كلها من أجل فتنة في التأويل غير جديرين بأن ينتسبوا إلى هذه الدعوة.

إن تسفيه العلماء والدعاة ممن أفنوا سوادهم وبياضهم من أجل هذا الدين كالشيخ الدكتور عبد الرزاق قسوم والشيخ الطاهر آيت علجت وغيرهم من الشيوخ بسبب موقف سياسي لا يملك أحد فيه اليقين ولا يملك أحد فيه المعلومة الصحيحة وإنما هو مجرد تخمين وخرص وهو ضرب من السقوط والزلل الذي لا يليق بالمسلم بله بالداعية إلى الله عز وجل.

أي علم أو دين أو خلق أو مروءة تجعل المسلم ينشغل فقط بالدعاة إلى الله الذين يقاسمونه الهدف والمبدأ والغاية ويسبقونه علما وفضلا إن لم يكن الفتنة والهوى؟

وأي فتنة أعظم من أن يفرح من يدعي الدعوة بالحط من العلماء والشيوخ الذين هم ورثة النبوة والمؤتمنون على هذه الدعوة ويصطف مع السفهاء وأراذل القوم ويخدم من لا يدري – والله – أين يمضي به في تكرار لا يتوقف لمسرحيات الغفلة والخديعة الذي بلي به المسلمون عبر القرون.

( إذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم القلب ضاق الصدر، وإذا ضاق صدر ساء الخلق، وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق) هكذا كان يقول أبو بكر الحكيم الوراق، وهكذا ينبغى أن يقول المسلم لنفسه في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها وطننا، وهي ظروف للابتلاء والبلوى ليعلم الله من يتمسك بدينه في السراء والضراء ويغلّب شريعته على الهوى، ويعلم أن الزلفى عند الله عز وجل لا تكون إلا بالعبادة الصحيحة والخلق القويم والمحافظة على وحدة الصف والأخوة بين المؤمنين.

ورحم الله شهيد الكلمة الصادقة سيد قطب حين قال: ( ليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة نظر يصرّ عليها مهما تبيّن له وجه الحق في غيرها. وإنما هو وضع الذات في كفة والحق في كفة، وترجيح الذات على الحق ابتداء ).

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رحل في صمت الكاتب الإسلامي السفير المجاهد الطاهر قايد : مرشد قادة التحرر في العالم الثالث، أمثال مالكوم إكس والتشي قيفارا/محمد مصطفى حابس

عموما مع كل بداية صيف وحرارة الطقس وموسم العطل ونهاية السنة الدراسية تعتني وسائل الإعلام …