الرئيسية | في رحاب الشريعة | ليلة القدر وفضلها/ الشيخ ثامر لطرش بن الساسي

ليلة القدر وفضلها/ الشيخ ثامر لطرش بن الساسي

هذه ليلة من أعظم الليالي وأحسنها وأغلاها قيمة، ألا وهي ليلة القدر، ليلة السابع والعشرين من رمضان المعظم الذي هو ركن من أركان الإسلام الخمس، هذا الإسلام الذي هو دين تربية للملكات والفضائل والكمالات وهو يعتبر المسلم تلميذا ملازما في مدرسة الحياة دائبا فيها دائما عليها .

ومن ثم فهو يأخذه أخذ المربي في مزيج من الرفق والعنف بامتحانات دورية متكررة لا يخرج من امتحان إلا ليدخل في امتحان آخر، وفي هذه الامتحانات من الفوائد للمسلم ما لا يوجد عشره ولا معاشره في الامتحانات المدرسية المعروفة .

وامتحانات الإسلام متجلية في هذه الشعائر المفروضة على المسلم، وفي كل فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المؤمن ولعقيدته وإرادته، ودع عنك الأركان الخمسة فالامتحان فيها واضح المعنى بين الأثر وجاوزها إلى أمهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية، لا يكمل إيمان المؤمن إلا بها كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدق في القول والعمل، والصبر في موطنه، والشجاعة في ميادينها والبذل في كل واحدة منها امتحان تكميلي للإيمان، تعلو فيه قيم وتهبط فيه قيم، والتوحيد امتحان لليقين واليقين أساس السعادة، وفي الصلاة امتحان للإرادة والإرادة أصل النجاح وفي الحج امتحان للهمم، وفي الصوم امتحان للصبر، والصبر رائد النصر .

غير أن الصوم أعسر امتحان لأنه مقاومة عنيفة لسلطان الشهوات الجسمية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك “، وقال:” للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره وفرحة عند لقاء ربه” .

قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.

هي ليلة من ليالي شهر رمضان فضلها الله على غيرها من الليالي لما لها من منزلة عظمى، ففيها نزل القرآن الكريم، وفيها تتنزل الملائكة بالرحمة والسلامة، وليلة القدر خير من ألف شهر .

إن الله سبحانه وتعالى فضل كل ما هو على وجه الكرة الأرضية، على غيره ففضل السنين برأس العام، وفضل الشهور بشهر رمضان، وفضل الأيام بيوم الجمعة وفضل الرجال على النساء بدليل قوله تعالى:{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ}[النساء: 34]  وفضل الملائكة على الجنون، وفضل الليالي بليلة القدر، قال تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} .

 سبب نزول هذه الآية : هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم : علم أن إسرائليا جاهد ثلاثة وثمانين سنة وأربعة أشهر، فنظر في أمته فوجدهم قصيري الأعمار قليلي الأعمال فدعا الله سبحانه وتعالى أن يعوض أمته عملا يعادل عمل الإسرائيلي في أقل مدة فأعطاه الله – ليلة القدر- عوضا بل أفضل من عمل الإسرائيلي .

وصف هذه الليلة :  وهذه الليلة تكثر فيها الصلاة وارتباط العبد بربه واستجابة دعوته، وفسر العلماء بأن هاته الليلة، تأتي وكأنها هزة قلبية نورانية تملأ القلب نورا، وفي هذا الحين يدعو الإنسان بما يحب له ولإخوانه المسلمين .

وقتها : ووقتها  فيه أحاديث منها : قوله صلى الله عليه وسلم : ” التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ” وقوله: ” التمسوها في وتر العشر الأواخر من رمضان ” وقول ” في الليلة السابعة والعشرين من رمضان، والسر في ذلك حتى يكثر الناس من العبادة والابتهال لله في هذه الليلة . وهناك حساب فلسفي آخر: وهو أن لفظ “ليلة القدر” تكرر ثلاث مرات في السورة ومؤلف من تسعة حروف فعلى هذا إذا ضربنا الثلاثة في التسعة ينتج عندنا سبع        وعشرون حرفا فقدرت بعدد الليالي .

تسميتها : وسميت هذه الليلة بهذا الاسم ” ليلة القدر” لما فيها من نزول القرآن الكريم ونزول الملائكة وسعادة المسلمين، ونزول القرآن في هذه الليلة تشريفا لها ورفعة لمنزلتها فنجد في القرآن ما ينهانا عن الفحشاء والمنكر وأنه يحيد الظلم والفساد والطغيان، وأنه يدعونا إلى الوحدة فيجعلنا على قلب واحد ويدعونا للاشتراك والتعاون في العمل قال الله تعالى:{ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[المائدة 02].

نزول الملائكة وحراستهم للمسلمين: وأن الله سبحانه وتعالى نزل الملائكة ليسلموا على كل من يصلي وجعلهم يحرسوننا ويسجلوا لنا الحسنات والسيئات، فجعل لكل واحد منا ملكا على يمينه وملكا على يساره، ووصفهم بأنهم أجسام نوارنية لا يراها أحد بل يراها الذي خلقها وهو الله سبحانه وتعالى وكذلك هذه الليلة سعادة وسلام للمسلمين حتى مطلع الفجر .

قيام هاته الليلة وإحياؤها : ويجب على المسلم أن يقيم هاته الليلة بالصلاة والدعاء والذكر والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقراءة القرآن الكريم حتى مطلع الفجر، ويتصدق على الفقراء ويحسن إلى الناس وفقنا الله وإياكم إلى ما فيه خير البلاد والعباد في الدنيا والآخرة، اللهم تقبل صلاتنا وصيامنا وقيامنا ببركة هذا الشهر المبارك العظيم .

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فتنة التطبيع الشنيع من قبول الاحتلال إلى الرضا بالاستذلال

أ. محمد مكركب/ لماذا رضي بعضُ حكام العرب الدنيويين باحتلال فلسطين منذ عقود، وسكتوا عن …