الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | العلم ثم الشهادة ثم الوظيف/ محمد الصالح الصديق

العلم ثم الشهادة ثم الوظيف/ محمد الصالح الصديق

التقيتُ عَرَضا في المطار الدولي بالجزائر بطالب سبق أن زارني في بيتي مرة، وكان يحمل شهادة الليسانس في الحقوق منذ بعض سنوات، وكانت ملامح وجهه تعلن حزنا وكآبة، سرعان ما كشف عنها بشكواه الممضّة من البطالة، وقال متعجبا، تصور –يا أستاذ- حامل شهادة الليسانس لم يجد في هذه الجزائر الواسعة، التي يقال عنها أنها أصبحت ورشة كبيرة عملا إلا في مطعم بأحد الفنادق، وهل هناك أسوأ من هذا الوضع؟ ثم واصل يقول –بعد أن زم على شفتيه-: أيعقل هذا، عشرون سنة تقريبا من الدراسة والجد والسهر من أجل وظيف في المطعم؟ أي زمن هذا الذي انقلبت فيه المفاهيم، وانعكست الأوضاع؟

قال هذا في لهجة حزينة، ثم سكت وأخذ يحدِّجني بنظره ينتظر الجواب. فقلت للطالب: لم يسؤني وضعك بقدر ما ساءني اشتباه المعالم عليك وعلى أمثالكـ حتى اختفت الحقيقة، وهي واضحة ناصعة، فنظر إلي في حيرة، وهو لم يصدق ما وعته أذناه، وقال: ماذا يا أستاذ؟ فقلت له: إنه من الخطإ الفاحش الذي يجب إصلاحه وتغييره أن تكون الغاية من التعليم التحصيل على الوظيف، فالعلم يجب أن يطلب، وينفق فيه الوقت، والجهد، والمال، من أجل ترقية الفكر، وتهذيب النفس، وتقويم السلوك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإنسان إذا طلب العلم لمجرد الوظيف لا لإزالة الجهل وترقية المدارك الفكرية، فإنه يبذل الجهد للتحصيل عليها على أي وجه وبأية وسيلة، ولا يتورع أن يزور ويغش، فالمهم أن ينال الشهادة، أما إذا كان همه تحصيل العلم والمعرفة، ونيل الشهادة أمر ثانوي، فإنه يتكون تكوينا عاليا، وإذا نالهما حق له أن يفكر في الوظيف ولن يعدمه عاجلا أو آجلا.

وأيضا فالعمل في المطعم حتى يتيسر ما هو خير، ليس عيبا، ولا يحط من قيمة المرء، ولو كان يحمل أعلى شهادة علمية، فالعيب أن يسرق، أو يرفض عملا شريفا، أو يتسكع في الطريق، أو يقتل عمره في المقاهي والملاهي، وقد سمعت يوما من الدكتور الخميري التونسي الذي يجيد ثماني لغات أنه يعرف محاميا له عدة مؤلفات مشهورة اضطر إلى العمل في شركة تجارية صغيرة تستورد المصران والجلود، وأنه يعرف بائعة السجائر تخرجت من أكبر معاهد الموسيقى في ألمانيا، ويعرف موزع البريد في حيه يحمل ألقابا جامعية عالية، وقد ذكر الدكتور كل هؤلاء في كتاب له ظهر بعد ذلك بعنوان (مرآة المجتمع).

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …