الرئيسية | وراء الأحداث | حكومة بريطانية ترفض تعريف الإسلاموفوبيا/ عبد الحميد عبدوس

حكومة بريطانية ترفض تعريف الإسلاموفوبيا/ عبد الحميد عبدوس

في زحمة الأحداث الدولية والوطنية المتدافعة في الأيام الأخيرة يصبح من الصعب اختيار الموضوع المناسب، ورغم ذلك فقد استوقفني خلال هذا الأسبوع موضوع رفض الحكومة البريطانية يوم الخميس الماضي 16 ماي 2019 مقترح  قدمته اللجنة البرلمانية بوضع تعريف رسمي “للإسلاموفوبيا”، حيث ينص التعريف الجديد المقترح للإسلاموفوبيا على أنها:”متجذرة في العنصرية أو نوع من العنصرية التي تستهدف تعبيرات المسلمين أو التصورات عنهم”، هذا التعريف الذي رفضته حكومة حزب المحافظين  بزعامة تيريزا ماي، حظي مع ذلك بقبول حزب العمال بزعامة جريمي كوربن والديمقراطيين الليبراليين فينس كايبل.

وفي تصريح لرئيس مجلس شورى الرابطة الإسلامية في بريطانيا قال:”إن الجالية المسلمة هي أكثر الجاليات تعرضا للاعتداءات وجرائم الكراهية، وأن الإفلات من العقاب أمر يشجع اليمين المتطرف على التغول في اعتداءات ضد المسلمين”. واعتبر أن إيجاد تعريف وطني لظاهرة الإسلاموفوبيا يكتسب أهمية قصوى، كما هي الحال بالنسبة لمعاداة السامية عند الجالية اليهودية، الذي تم تبنيه من قبل الأحزاب السياسية والحكومة البريطانية.

لقد جاءت محاولة وضع تعريف رسمي للاسلاموفوبيا في بريطانيا لاتخاذه كمستند قانوني لمعاقبة الجرائم ذات الطابع الإسلاموفوبي بعد تصاعد لافت للنظر لهذه الجرائم، ففي إحصائية من العام الماضي (2018 )، وفقا لأرقام حكومية، سجل عدد جرائم بدافع الكراهية الدينية زيادة بواقع 40 في المائة في شتى أرجاء بريطانيا، استهدف أكثر من نصفها المسلمين.

وفي إحصائية صدرت في مارس الماضي أنه تم في بريطانيا تسجيل خلال 6 أشهر فقط (608) حادثة مرتبطة بظاهرة “الإسلاموفوبيا” من أصل (685) حادثة مرتبطة بالعنصرية عمومًا في البلاد، وقعت فى شوارع المملكة المتحدة، وأن 58% من حوادث الإسلاموفوبيا استهدفت النساء.

يعتبر حزب المحافظين في بريطانيا من أشد المناصرين لإسرائيل والمشجع لمعاداة المسلمين بسبب ميله المتزايد نحو اليمين المتشدد بغية جذب أصوات اليمين القومي الشعبوي. وللتذكير فقد سبق لوزير الخارجية السابق بوريس جونسون القيادي النافذ في حزب المحافظين والطامع في رئاسة الحزب أن كتب مقالاً هاجم فيه المنتقبات وشبه مظهرهن بـ«سارقي البنوك» الملثمين.

وفي مارس الماضي حمّل الكاتب البريطاني بين ستيفنس، مسؤولية تنامي الكراهية ضد المسلمين في الغرب، لوسائل الإعلام والمجلات التي تبث رسائل الكراهية على صفحاتها، أما صحيفة الغارديان فحملت في مقال لها السياسيين  المسؤولية عن خلق البيئة الملائمة لتغذية ميولات المتطرفين المعادين للمسلمين، خصوصا بعد التصريحات العلنية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول كراهية الإسلام، وأصبح الكثيرون لا يخفون رغبتهم في إبداء مشاعر الإسلاموفوبيا .

تصاعد حدة ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب جعل الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، كومي نايدو، يقول إنه “حان الوقت ليواجه زعماء الدول مواقفهم المشجعة لآفة الإسلاموفوبيا أو تغاضيهم عنها”.

في كتاب (ما هي الإسلاموفوبيا؟ العنصرية والحركات الاجتماعية والدولة) الصادر سنة 2016  يقول مؤلفو ومعدّو هذا الكتاب: «في الحقيقة، بعد عقدين من دخول المصطلح إلى الاستخدام العام في العالم الناطق بالإنجليزية، إلا أن ظاهرة الإسلاموفوبيا لا تزال غير معترف بها عالمياً كشكل من أشكال العنصرية. والحال كذلك في القطاع الأكاديمي، حيث الأدبيات عن العنصرية لا تزال منفصلة بشكل كبير عن الأعمال حول الإسلاموفوبيا. وعدم الاهتمام النسبي بالإسلاموفوبيا من قبل علماء الاجتماع المختصين في قضايا العنصرية مفاجئ بالنظر إلى النمو المتزايد في العداء تجاه المسلمين في السنوات الأخيرة، والتي لا يمكن أن تمضي دون أن يلاحظها أحد”.

وإذا كانت الإسلاموفوبيا قد بدأت تتحوّل في الكثير من الدول الغربية من توجه عنصري تتبناه أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا، والتي ارتفع رصيدها الانتخابي في العشرية الأخيرة بسبب ضغوط الأزمة الاقتصادية وتوجيه اللوم والكراهية إلى المهاجرين، خصوصا من ذوي الأصول العربية والديانة الإسلامية، إلى سياسة تتبناها بعض الحكومات والهيئات الرسمية الأوروبية، وأصبح الكثير من السياسيين المنتمين إلى الأحزاب السياسية التقليدية الكبيرة والديمقراطية في أوروبا يزايدون بورقة الإسلاموفوبيا على عناصر اليمين المتطرف في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة. وإذا كان ضعف العالم الإسلامي وتشتت دوله وانغماس الكثير من أتباعه في مستنقع الخلافات المذهبية والصراعات الطائفية قد أضفى على آفة الإسلاموفوبيا الخطيرة والهدامة طابع العنصرية العادية التي يتعايش معها الأوروبيون بلا حرج، فإن تسامح أوروبا الرسمية وتهرّب عناصر النخبة الأوروبية من مفكرين وصحافيين وكتاب وساسة من التنديد بهذه الظاهرة والتصدي لها، قبل أن تستفحل في كل مظاهر وميادين الحياة الأوروبية وتترسخ في الأذهان والسلوكات، فإن القيم الأوروبية التي ضمنت الازدهار والكرامة للفرد الأوروبي هي التي ستتعرض لخطر التفكك والزوال نتيجة الانحطاط الأخلاقي والعمى الحضاري.

لقد عالجت أوروبا مشاعر الكراهية لليهود واضطهادهم والتمييز العنصري ضدهم بإصدار تشريعات صارمة، وتجريم الممارسات والأفكار اللاسامية، فهل سيأتي يوم تجرم فيه الممارسات والدعوات الإسلاموفوبية؟

لحسن الحظ  ما زال هناك بصيص أمل يبشر رغم موجات الكراهية بإمكانية انتصار القيم الإنسانية والديمقراطية على التعصب والعنصرية يفرض نفسه كأفق مفتوح لتعايش الثقافات وتفاهم الحضارات ففي الولايات المتحدة استطاعت امرأتين مسلمتين دخول الكونغرس، كما أصبحت السيدة راخية إسماعيل، عمدة منطقة إزلنغتون التابعة للعاصمة لندن وهي بريطانية من أصل صومالي، أول امرأة مسلمة محجبة في بريطانيا، وتسلمت يوم الجمعة 17 ماي 2019 منصبها وأقيم احتفال داخل مبنى المنطقة الإدارية، الواقعة غرب لندن، وشارك في مراسم تنصيبها مجلس المنطقة، بحضور زعيم حزب العمال البريطاني جيرمي كوربين. وقبل ذلك بثلاث سنوات  فاز صادق خان البريطاني المسلم من أصول باكستانية في شهر ماي 2016 بمنصب عمدة لندن.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الانحراف … !

    عبد الحميد عبدوس   يمكن القول أن مسار تحريف توجه الحراك الشعبي، قد …