الرئيسية | قضايا و آراء | لا تجعلوا من محاربة الفساد وسيلة للإفساد…/ محمد العلمي السائحي

لا تجعلوا من محاربة الفساد وسيلة للإفساد…/ محمد العلمي السائحي

لا خلاف على أنه لابد من محاربة الفساد بدون هوادة، ولا أحد يجادل في ضرورة ذلك، كما أنه من المجمع عليه أن صلاح البلاد والعباد يتطلب تطهير البلاد من الفساد والمفسدين، تلك قضية مسلم بها ومتفق عليها، لكن ما لا يتفق عليه ويختلف حوله هو: أنه ينبغي أن لا تتحول محاربة الفساد إلى مطاردة للسحرة، وأن تتخذ ذريعة لتصفية الحسابات، أو أداة للتهديد بغية ثني إرادة من لا يوافقنا الرأي ودفعه إلى الاصطفاف إلى جانبنا ولو كان كارها لذلك، والأدهى من ذلك والأمر أن تتسبب في تشويه سمعة إطارات ورجال أبرياء، ودفعهم إلى هجرة البلاد وإيثار مغادرة الأوطان، ومفارقة الإخوان، مما ينجر عنه حرمان البلد من خبرات وكفاءات وقدرات فكرية ومالية هامة بمقدورها أن تسهم فعلا في التكفل بمساعدة الوطن على تجاوز مشاكله، والتغلب على مصاعبه الاقتصادية وأوضاعه الاجتماعية.

إذن لنضمن أن لا تنحرف محاربة الفساد عن مسارها الصحيح، ينبغي أن تكون لنا منظومة قانونية قادرة على التعامل مع كل أنواع المخالفات. وتكون  نصوصها الردعية تتناسب في تنوعها واختلافها مع تنوع وتفاوت جسامة المخالفات.

وإذا أخذنا هذه الجزئية بعين الاعتبار نكتشف أننا لا زلنا غير مهيئين لمحاربة الفساد، لأن ترسانتنا القانونية بها الكثير من الثغرات التي تتيح للمفسدين الإفلات من العقاب، أي أننا علينا أولا أن نبادر ببناء ترسانة قانونية تتضمن عقوبات ردعية مساعدة على محاربة الفساد فعلا.

كما تتطلب محاربة الفساد قضاة شرفاء يتمتعون بالشجاعة التي تجعلهم قادرين على التصدي لكل الضغوط التي قد تمارس عليهم لتحملهم على تكيف أحكامهم بما يسمح لبعض المفسدين الإفلات من العقوبة التي يستحقونها.

وهذا النوع من القضاة لا يتوفر لدينا بعد، بدليل أن ملفات فساد كثيرة قد فتحت في الماضي وتم إغلاقها والسكوت عنها بأوامر فوقية ولم يستطع القضاة آنذاك الفصل فيها.

والأهم من هذا وذاك في هذا الصدد هو أن محاربة الفساد تتطلب منع أسبابه، وهذا يقتضي بناء نظام سياسي يتكفل ببسط العدالة الاجتماعية التي تضمن حسن توزيع الثروة بين المواطنين وأن يحصل كل مواطن على الدخل الذي يتناسب مع جهده ويتوافق مع حاجته، إذ أن من أهم الأسباب الممكنة للفساد هو: عدم حصول الموظف على ما يتناسب من راتب مع جهده مما يدفعه إلى قبول الرشوة مبررا لنفسه ذلك بأنه لا يتقاضى من  المال ما يوافق جهده المبذول في العمل.

بل إن محاربة الفساد تقتضينا مراجعة منظومتنا التربوية  والثقافية على وجه الخصوص، حيث أنه يفترض في المنظومة التربوية أن تسهم في إحياء الضمائر، والتمكين لفضائل الأخلاق ودفع الفرد إلى الترفع عن الدنايا، فإذا عجزت عن توفير ذلك وجب العمل على استبدالها بغيرها، لكونها لم تعد تعمل لصالح المجتمع بل باتت تعمل ضده.

كما أن منظومتنا الثقافية يفترض فيها أن تروج للسلوك الحضاري الذي يحمل الفرد على حسن معايشة الآخرين والنزوع إلى السلم وتجنب العدوانية واحترام ملكية الغير، فإذا انحرفت عن ذلك وراحت تروج للعنف عن طريق الترويج لأفلام العنف والعنصرية والتهجم على الدين، بات من الضروري مراجعتها وإعمال النظر فيها حتى  لا تتحول إلى آلة هادمة للمجتمع، مقوضة لجهود البناء والتشييد بذلك يمكن لنا أن نضمن عدم انحراف محاربة الفساد عن مسارها وعدم تحولها إلى وسيلة للتمكين للفساد والترويج له…

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تهافت مقولة فصل القرآن عن الشريعة (2)

أ. عبد القادر قلاتي/ أكثر ما يزعج تيار العلمنة من الدين كلمة «الشريعة»، فهي في …