الرئيسية | قضايا و آراء | عبس وتولى/ أ .د. ليلى محمد بلخير

عبس وتولى/ أ .د. ليلى محمد بلخير

عندما قرأ ابني البراء سورة عبس { عبس وتولى } أخذته القراءة مأخذا كبيرا حتى استقرت الآيات في داخله، ولكن لم تسعفه سنواته ثماني لفهم معانيها ومقاصدها، فالتفت إلي حائرا: “كيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الله، أن يعاتبه الله!!”، قلت له وأنا استجمع فكري: “في السورة الكريمة توجيه لطيف لنا حتى لا نعبد محمد صلى الله عليه وسلم بل نعبد الله عز وجل..وما الرسول عليه السلام إلا بشرا ترك له الله هامشا يجتهد فيه، ويتصرف وفق ما يراه هو صائبا، ليكون بعد ذلك  التذكير الرباني شاملا لمقامه الزكي، ولكل الملمات الصغيرة، ويكون الرجوع إلى الله شيمة الأصفياء الكبار، التي سار عليها رسولنا الكريم”. رفع طرفه إلي خلسة ثم أعاد نظره إلى المصحف وقال: “ولكني..لم أفهم لماذا انصرف الرسول صلى الله عليه عن المؤمن الأعمى الضعيف وأقبل على الكافر المتكبر؟” قلت له بهدوء وروية: “رسولنا، معلمنا، لم يحب الكافر لكفره، بل كان راغبا في هدايته حتى يعز الإسلام بانقياد قبيلته كلها معه، فهو كبيرهم وكلمته مسموعة، وعندما جاءه عبد الله بن أم مكتوم، يستر شده تجهم في وجهه، ولم يهتم به، ليس تحقيرا له، بل لأنه لا يرغب في الانشغال عن المهمة الصعبة التي يتوخى إنجازها مع الكافر”. ابتسمت رجاء ابتسامة رائقة وقالت للبراء: “كن على يقين أخي أن  الرسول صلى الله عليه كان يفكر في مرضاة الله، بإقباله على الكافر حتى يعزز الدعوة به وبقبيلته، ولم يهتم بأي شاغل يصرفه عن قصده، وكانت حادثة الإعراض والعبوس درسا كبيرا لنا، حتى  نحتكم في علاقاتنا بالناس للإحسان في كل شئ، وحسن تقدير لما يبدر منا من تجهم، أوانشراح بسبب أو دون سبب”. فقلت لهم مبتهجة بقربهم: “وأحسن عبرة نستفيد منها يا أحباب القرآن أن  نتقبل النصح والتذكير”. فقال براء متحفزا كمن وجد شيئا نفيسا: “مثلما قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة فمن شاء ذكره }عبس 11-12 حتى نتجنب المكابرة والعناد”. فقلت له مباشرة: “التذكرة شاملة للجميع لا يوجد من هو كامل أو مستغن، ولهذا التقي منا من عاد إلى عيوبه بالإصلاح الدؤوب، ونتعلم من قصص القرآن فن الارتقاء في التعامل مع الناس، وجعل المعيار الدقيق مرضاة الله، مع من نحب من عباده، ومع من نكره. ولعل من كرهته وتحملت منه هو من يقربني إلى السعادة في الدنيا والآخرة، ولعل من أحببت التقرب منه، أو وددت صحبته، كان مفسدة لأيامي كلها. هذا كله من فضائل القرآن، ومن هذه القصة وغيرها، نفهم أن القرآن ليس مجرد تراتيل نتلوها في الصلاة، ونطوي السجادة، هو للحياة..القرآن للحياة..للحياة، {أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا } الأنعام122.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …