الرئيسية | قضايا و آراء | الخصال الحضارية قد تكون مثالية أو مادية/ نور الدين رزيق

الخصال الحضارية قد تكون مثالية أو مادية/ نور الدين رزيق

 

تقوم الأمم على مبادئ وقيم حضارية تضعها فتعمل على تجسيدها، أما نحن فقد اختار لنا الله عز وجل الإسلام عقيدة وشريعة، يقوم على مبادئ وقيم توافق الفطرة الإنسانية.

والمبدأ الذي تحي به الأمة إنما هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال تعالى:{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾[آل عمران/110].

كنتم لا تعني الماضي وإنما المراد بها الدوام والاستمرار نحو قوله تعالى:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾[النساء/96].

وقوله تعالى:﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾[النساء/103].

هذه الخيرية مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى.

قال عمر من فعل فعلهم كان مثلهم، وليست نابعة من مجاملة أو محاباة إنما سببها هو المذكور تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.

التمكين في الأرض يكون بتحقيق هذه المبادئ والقيم ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾[الحج/41].

به ينتشر الخير وبالنهي عن المنكر ينحصر الباطل والفساد: يتحدث الناس اليوم عن الفساد لو كان مبدأ حاضرا فينا ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم حيث الفساد نخر المجتمع.

فهم لابد أن يصحح؟ وقد أولوا قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة/105] أعيش لنفسي وأهلي ولا يهمني أمر المجتمع!

قام أبو بكر الصديق يوما خطيبا فقال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يُعمَّهُم بعقابه” أبو داوود، والترمذي.

في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم:”من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يجد فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان” رواه مسلم.

الغرب فهم هذا القانون وهذه السنة الكونية.

في صحيح مسلم أن المستورد بن شداد القرشي وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس كان فيه عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:”تقوم الساعة والروم أكثر الناس” فقال له عمرو: أبصر ما تقول؟

فقال المستورد: ما أحدثك إلا ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال عمرو بن العاص: أما لئن قلت ذلك إن فيهم لأربع خصال:

عمرو بن العاص كان خبيرا وعليما بأمر الروم وأحوالهم لأنه كان كثير السفر للتجارة وقد خالطهم.

وفيه اعتراف بالغير إن أحسنوا: وهذه عظمة القرآن الكريم والإسلام، ذكر حسنة الآخرين.

كقوله تعالى:﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}[النمل/34]، إقرار من الله عز وجل لقول ملكة سبأ الكافرة.

وقوله تعالى:﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران/75].

ما هذه الخصال:

  • هم أحلم الناس عند الفتنة: لا تذهب عقولهم وأفكارهم عندما تقع فيهم الفتن بل يستمع بعضهم إلى بعض يبحثا عن المخرج.

وعُرفَ هذا الأمر في فترة الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم: وكيف ذكر أبو بكر الصديق رضي الله عنه والصحابة وفيهم عمر بن الخطاب: بقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[آل عمران/144]، واختيار الخليفة زيد بن الثابت وتدخله.

  • أوشكهم كرّة بعد فرّة: لا يستسلمون بعد الهزيمة بل يستعدون ويعدون لحرب أخرى، لأن الذي يفر ولا يكر يوصف بالجبن
  • وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة: انظر إلى محدث للنصارى في الحرب العالمية الأولى الثانية والألمان على الخصوص إذ تفطنوا أن لا حياة لكم إلا بأن يتقبلوا الآخر: فأنشؤوا الاتحاد الأوربي وهذا الأمر عمل به الصحابة عندما بحثوا عن خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سقيفة بن ساعدة.
  • أرحمهم بالمسكين واليتيم والضعيف: رغم قلة الثروات عند النصارى مقارنة بنا نحن العالم الإسلامي حيث يخصصون ميزانيات ضخمة للجانب الاجتماعي. وعندنا نحن المسلمين جعل الله لنا ركن الزكاة خاصا بهذا الجانب.
  • وخامسة حسنة جميلة: أمنعهم من ظلم الملوك حيث القانون فوق الجميع والناس سواسية أمامه.
  • وقد عنون الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس لجريدة الشهاب 1929: الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء.

وجاء في الأثر: قصة تقاضي علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الرجل النصراني أمام شريح القاضي يرويها الإمام البيهقي رحمه الله في “السنن الكبرى” (10/136)، في باب “باب إنصاف الخصمين في المدخل عليه والاستماع منهما والإنصات لكل واحد منهما حتى تنفد حجته، وحسن الإقبال عليهما”، ورواية القصة عن الإمام الشعبي حيث يقول:

خرج علي بن أبي طالب إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعا، قال: فعرف علي الدرع، فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين. قال: وكان قاضي المسلمين شريحا، كان علي استقضاه. قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء، وأجلس عليا في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني، فقال له علي: أما يا شريح لو كان خصمي مسلما لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(لا تصافحوهم، ولا تبدءوهم بالسلام، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، وألجئوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله)

اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان. قال فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين، الدرع هي درعي. قال فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده، فهل من بينة؟ فقال علي رضي الله عنه: صدق شريح. قال فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك، ابتعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق، فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال: فقال علي رضي الله عنه: أما إذا أسلمت فهي لك. وحمله على فرس عتيق، قال، فقال الشعبي: لقد رأيته يقاتل المشركين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المعاملة هي روح التدين الحـــــق..

مداني حديبي/ ألا تتعجب معي لحال ذاك المتدين الذي يلزم الصف الأول ولا تفوته تكبيرة …