الرئيسية | قضايا و آراء | رمضان .. وخصوصية التقرّب إلى الله/ د. إبراهيم نويري

رمضان .. وخصوصية التقرّب إلى الله/ د. إبراهيم نويري

 

من أروع وأمتع الكتب التي طالعتها عن شرف صوم شهر رمضان، كتاب “بغية الإنسان في وظائف رمضان” للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى. ومن باب تعميم الفائدة نعرّف به في كلمات موجزة فنقول: هو أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي ثم الدمشقي المشهور اختصاراً بابن رجب الحنبلي، ولد في بغداد سنة 736 هـ، ونشأ في دمشق، وبها تلقّى العلم على أكابر العلماء، أمثال الإمام شمس الدين ابن القيّم، والإمام زين الدين العراقي والإمام ابن العطار وغيرهم .. وقد نبغ في علوم ومعارف كثيرة منها: العقيدة والفقه والحديث والتاريخ، وكان رحمه الله ذا ميل واضح إلى منهج السلف في الفهم والاجتهاد.

وقد جعل مقالات وآراء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مرجعاً له في الفتيا والترجيح، توفي في دمشق سنة 795هـ، ودُفن في مقبرة الباب الصغير، وقد ترك ثروة علمية انتفع بها طلاب العلم من أبناء المسلمين، ومن أشهر تلك المؤلفات التي خلّفها نذكر: كتاب “التوحيد” وكتاب “الاستخراج لأحكام الخراج” وكتاب “فضل علم السلف على علم الخلف” وكتاب “شرح صحيح البخاري” وغير ذلك من الأسفار والمؤلفات النافعة التي تنمّ عن طول باعه في العلوم والمعارف الشرعية .

ومما يلفت نظر القارئ لكتاب “بغية الإنسان في وظائف رمضان” حديث الإمام ابن رجب عن رمضان وربطه بشرف المكان والزمان. حيث يقول:[ اعلم أنّ مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب: منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم، ولذلك تُضاعَفُ الصلاةُ في مسجديْ مكة والمدينة، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:”صلاة في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام” وفي رواية فإنه أفضل، وكذلك رُوي أنّ الصيام يُضاعَف بالحرم. وفي سنن ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً “مَن أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر، كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه” .. وذكر له ثواباً كثيراً] [ ص 4 ] .

وبعد أن بيّن ابن رجب الحنبلي رحمه الله شرف المكان للأعمال، وأورد بعض الأدلة التي أثبتت شرف المكان كسبب لمضاعفة الأجر والثواب، انتقل لبيان شرف الزمان، وأكد على أنه أمر مؤكد بأدلة قطعية، فقال:[ ومنها شرف الزمان، كشهر رمضان، وعشر ذي الحجة، وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع في فضل شهر رمضان “من تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضةً كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه”  وفي الترمذي عن أنس: سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ الصدقة أفضل؟ قال “صدقة في رمضان”. وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “عمرة في رمضان تعدل حجةً، أوقال: حجة معي”] [ ص 5] .

إنّ هذه الأدلة إنما جاءت لتوضيح معنى محددا مفاده أن هناك أعمالاً إذا تمّ أداؤها في أماكن مخصوصة وفي زمن مخصوص، فإنها لا تكون كنظائرها من الأعمال، خاصة من حيث الثواب والأجر، ومن الأماكن المخصوصة مكة المكرمة، فهي مكرّمة ومعظمة بأدلة كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم “وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ”(سنن الترمذي رقم 3925 ) .

ومن الزمن المخصوص شهر رمضان، فإن البركة تحتوشه من جميع الجهات؛ وقد جعل هذا المعنى الكثير من الأسلاف يأتون بدرر من بديع أقوالهم، وهي أقوال وكلمات إذا طالعها القارئ يشعر بأنها أثرٌ من نَضْحِ فهمهم السليم للسُنّة المطهّرة، ومن ذلك قول التابعي إبراهيم النخعي: “صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة”؛ وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن بعض شيوخه أنهم كانوا يقولون “إذا حضر شهر رمضان فانبسِطوا فيه بالنفقة، فإنّ النفقة فيه مضاعفةٌ كالنفقة في سبيل الله”.

هذه رؤية استدعاها الشهر المبارك الفضيل، فيها تذكيرٌ مقتضب بخصوصية أعمال الخير والبر والتقرب إلى الله خلال أيام صيامه وليالي قيامه وإحيائه بالقرآن والذكر؛ والله تعالى نسأل التوفيق في اغتنام فرصة الانتفاع من زمن هذا الشهر المبارك الذي تتضاعف فيه الحسنات وتمتلئ الصحائف برحمة من الله وعفوه وفضله .

والله وليّ التوفيق.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …