الرئيسية | حديث في السياسة | ذكرى للتعبد والتضحية وصبر/ التهامي مجوري

ذكرى للتعبد والتضحية وصبر/ التهامي مجوري

مر على الحراك الشعبي السلمي 12 أسبوعا، ولا ندري إلى متى سيستمر؟ ولا إلى أي مدى سيبلغ؟ ولكن المؤكد انه حقق مكاسب هامة، ومنها كسر جدار الخوف، الذي يمثل العدو الأول للإنسان وقيمه، وسيحقق مكاسب أخرى ذات أهمية تعود على الأمة بالخير والفلاح، وذلك بالقفزة التي شهدها التحول الإجتماعي الجزائري، خلال الثلاثين سنة الماضية، حيث لم يبق من جيل الثورة إلا قيمه، التي تضاف إلى تضحيات جيل الاستقلال ومكتسباته.

نقول هذا ونحن نعيش هذه الأيام، جملة من المناسبات ذات الصلة القيمية بهذا الحراك الشعبي، وبواقع الشعب الجزائري وماضيه ومستقبله، إذ تجتمع في هذا الشهر وفي هذه الأيام تحديدا من شهر مايو 2019، أربع مناسبات هامة في حياة الشعب الجزائري، لها قيمتها الدينية والتاريخية والسياسية، وهي: ذكرى تأسيس جمعية العلماء يوم 5 مايو 1931، وأول أيام شهر رمضان المبارك الذي صادف يوم 6 مايو 2019، وذكرى 8 مايو 1945، وهي الشرارة التي مهدت للثورة المباركة التي اندلعت في الفاتح من نوفمبر 1954، وأخيرا الحراك الشعبي السلمي الذي انطلق يوم 22 فبراير 2018، وهو في جمعته الـ12، التي جاءت مع الأسبوع الأول من رمضان، وهي مناسبات جامعة لمحصلة النشاط الديني والتاريخي والسياسي للمجتمع الجزائري، ولعل أهم ما في هذا النشاط وأبرزه، التقاء شهر رمضان المبارك بهذا الحراك الشعبي ذي البعد السياسي الذي هو في أسبوعه الثاني عشر كما أسلفنا…، حيث التقى الفعل السياسي بالتعبد بالترك، حيث ان شهر رمضان هو العبادة الوحيدة التي تتميز بالاتزام بالترك وليس الالتزام بالفعل، كما هي طبيعة العبادات عموما، ولعل هذا هو السر في قول الله تعالى في الحديث القدسي “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.

أما الحراك فهو فعل سياسي من أجل التغيير الجذري لطبيعة النظام ومنهجيته في الحكم، وقد كان من بين آيات نجاحه، الصبر والتضحية والتوق إلى الفوز بالحسنيين، الإصلاح والبناء الاجتماعي؛ بل وبناء الفرد الجزائري على ثوابت وطنية لا تقبل التغيير والتبديل، الذي أسست لأجله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين منذ ما يقارب التسعة عقود، واستحضارا للتجربة التاريخية الجزائرية التي دفع فيها الشعب 45 ألف ضحية من أجل إثبات وجوده في الثامن مايو 1945، حيث خرج الشعب الجزائري في مظاهرات ضخمة ليقول لفرنسا، نحن هنا شعب منفصل عنك وعن قيمك، إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، مثلما بعثت جمعية العلماء في 5 مايو 1931، إثر الاحتفالات المائوية التي أقامتها فرنسا تعبيرا عن انتصاراتها على الشعب الجزائري خلال مائة عام، وذلك بإحياء مائوية احتلالها للجزائر، طمعا في الإعلان عن نهاية الدولة الجزائرية واختفاء الشعب الجزائري من على خريطة العالم، فكان الرد سريعا قبل أكثر من سنة، بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لتقول لفرنسا، “إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت. بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد في لغتها وفي أخلاقها وفي عنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج. ولها وطن محدود معين هو الوطن الجزائري بحدوده الحالية المعروفة”، على حد تعبير الأستاذ الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله.

لا شك ان هناك فوارق بين هذه المناسبات المختلفة، بسبب الفروق التي بين المجال والآخر، فانتفاضة الشعب على الاستدمار في مايو 1945، ليست هي انتفاضة الحراك الشعبي على سلطته الوطنية في فبراير 2019، كما أن النضال السياسي ليس هو حركة التعبد التي يقوم بها المجتمع، كما أن جهود حمعية العلماء في عهدها الأول، ليس هو بالضرورة ما تقوم به نخبة المجتمع اليوم، ولكن مع ذلك فإن جواهر الأمور في حركة، سواء في الثورة على الظلم والاستبداد والانحراف الأخلاقي والسياسي، أو في حركة التعبد وعلاقتها بالنضال السياسي، أو في ضرورة التضحية في كل ذلك.

فانتفاض الشعب الجزائري على المظالم الاستدمارية سنة 1945، وحراكه السلمي هذه الأيام على الفساد السياسي والمالي وعلى النخب الحاكمة اليوم، جوهره واحد هو الانتفاض على الظلم وعلى الحرمان من الحريات وضياع الحقوق، ولمحاربة المظالم ومدافعتها بالحسنى بالنضال والتضحية والإصرار، ومع الفارق الطبيعي، بين الاستعمار وبني الجلدة.

وكما قال الشيخ أحمد سحنون رحمه الله في قصيدة نظمها بمناسلة الفاتح من نوفمبر، وكان يومها في الإقامة الجبرية مطلعها:

شرارة الظلم شبت نار ثورتنا

فاتقوا الظلم ياولاة امتنا

وأفضل ما تكون عليه تضحيات الشعوب في التعبد، وأعلى ما تكون التضحية في العبد حينما تكون في رمضان الذي خصه الله بفضائل لا توجد في غيره من العبادات…

فنحن في هذه الأيام نعيش حالة من المزج بين الحدث التاريخي والواقع، وبين قيم التعبد والتضحية في أعلى معانيها، في صورة النضال التربوي الإصلاحي، الذي قامت به جمعية العلماء في عهدها الأول، فأعادت صياغة المجتمع الجزائري بعدما كادت تمحوه جهود المستدمر، ولا تزال تناضل في سبيل الدفاع عن الهوية والثوابت، وفي صورة الحدث التاريخي الهام وهو ذكرى تضحيات الثامن مايو 1945، وصورة الحراك الشعبي في هذه الأيام المباركة الذي يجاهد من أجل استعادة قيمه الحضارية التي استعادها بقوة الجهاد والتضحية، وهي أيام من رمضان جمعت فيها واختزلت أحداث التاريخ بما تحمل من قيم النضال والتعبد والتضحية والصبر، انطلاقا من قيم هذا الشهر المبارك، الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس، وفضّله بليلة خير من ألف شهر، وفتوحات الأمة العظيمة: بدر وفتح مكة… وغيرها من الفتوحات، وانتهاء بالروحانية العالية التي يتميز بها المؤمن وهو يتعبد لله بالصيام وقيام الليل، او بالنضال انتصارا للحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الخير.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لحنة الحوار إلى أين؟

بقلم: التهامي مجوري   الأصل في لجنة الحوار أنها مجموعة تقنية، تقوم باستقراء الساحة السياسية …