الرئيسية | في رحاب الشريعة | الإسلام من مخدر (أفيون) الشعوب إلى مُلهب الشعوب/ نور الدين رزيق

الإسلام من مخدر (أفيون) الشعوب إلى مُلهب الشعوب/ نور الدين رزيق

يعيش العالم الإسلامي اليوم مخاضا وكذا وطننا فنحن لسنا في معزل عن العالم، لذلك أردت في هذه السطور الحديث عن مآلات وما يكون بعد هذه الحالة: قوى العالم اليوم تريد العلمنة ومفهوما جديدا للدين، مرت فترة من الزمن كان يقال عن الدين الإسلامي أفيون الشعوب (المخدر)، اليوم ينبغي لهذا الدين أن يهذب ويصنع على أعينهم، إبعاد المسجد عن حياة الناس اليومية، الإسلام مكانه المسجد منطق الذي سار عليه الأوربيون النصارى بتحقيق المقولة المنسوبة إلى عيسى عليه السلام: ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.

ويُحكى أنه قالها: لما سئل لماذا النصارى يعطون الجزية إلى الرومان الذين اضطهدوا النصارى فقالها، لا دخل للدين في حياة الناس: انتظروا معاشر الأخوة الكرام ماذا يحدث بعد إنهاء هذا الحَراك؟

إنها الدعوة إلى علمنة المجتمع.

وهذا الأمر ليس جديدا كان هذا في زمن الوحي طرحت مثل هذه الأفكار والتوجهات.

لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة من اليهود بقوا يعظمون يوم السبت ويكرهون أكل لحم الإبل فنزل قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} الإسلام عقيدة وشريعة، دين ودنيا، فلا تأخذ جزءا وتترك جزءا، القرآن الكريم دعا إلى العبادة ووضع أحكاما وقوانين تنظم المجتمع والأسرة المجتمع ونظم العلاقات مع الغير.

في سنة 9هـ جاء وفد ثقيف حتى يسلموا وقد رأوا أن مكة أسلمت (فتح مكة 8هـ)، وقد أسلم قبلهم زعيمهم عروة بن مسعود الثقفي:(مقارنة بين إسلام عروة بن مسعود وعبد الله بن سلام).

لما أسلم عروة بن مسعود طلب من النبي صلى الله عليه وسلم: إني ذاهب إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام فقال له صلى الله عليه وسلم: إنهم قاتلوكم؟ فقال: يا رسول الله إن أحب إليهم من أبكارهم وأولادهم، فعلا كان عروة رجلا مفوها وخطيبا فصيحا ومفاوضا بارعا.

وهو المقصود من قول عرب قريش:{ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} وقصدوا عروة بن مسعود وعمرو بن هشام، ذهب عروة إلى قومه آخذا الحيطة وصعد منبرا عاليا وخاطب قومه يا قومي أسلموا فرموه بالنبل فقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم عندما وصله الخبر:”مثله في قومه كمثل صاحب ياسين” حبيب بن النجار {وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس/20]، فقتلوه فقال صلى الله عليه وسلم مثله كمثل صاحب يسين، كيف عرف صلى الله عليه وسلم أنهم سيقتلونه أي عروة بن مسعود رضي الله عنه، الجواب ما حدث له صلى الله عليه وسلم مع أهل الطائف حين ضربوه، ثقيف قبيلة معاندة وأصحاب امتناع.

لما جاء وفد ثقيف حتى يسلموا اشترطوا شروطا:

  • لا تهدم اللات صنمهم إلا بعد ثلاث سنوات.
  • أن يعفيهم من الصلاة.
  • إذا صلينا فلا نركع.

أصبح اليوم الإسلام لا يتدخل في شؤون الناس: الدين لله والوطن للجميع.

فلما أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تسامح مع الشرك والصنمة، قالوا: (نتنازل).

ولكن ليس نحن من يهدم اللات ابعث رجلا لا يكون من ثقيف، فاختار لهم صلى الله عليه وسلم: أبا سفيان لماذا؟ كان رمز المدافع عن الشرك قبل إسلامه.

وذهب معه المغيرة بن شعبة وهو أصله من ثقيف أسلم قبل ذلك (عام الخندق) وكان رجل فيه دعابة، فحمل المعول وضرب الصنم ثم سقط زعم مغشيا عنه، فقالوا: لقد انتصرت اللات، فقال المغيرة بن شعبة ضاحكا: قالوا: لقد ضحك علينا.

أن يسقط عنهم الصلاة ولا يركعون؟ فهموا أن الذي يشرع هو محمد بن عبد الله/ مثل النصارى والرهبان.

لما نزل قوله تعالى:{ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} قال عدي بن حاتم الطائي، وكان نصرانيا فأسلم قال:”والله ما عبدناهم يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ألم يحلوا لكم الحرام واستحللتموه وحرموا عليكم الحلال فحرمتموه: تلك عبادتكم إياهم.

لذلك العالم والدعاية والإمام يبلغ ولا يحاول أن يكيف النصوص ويجريها وفق أهواء الناس.

كان الشيخ عبد الحميد بن باديس يقول: نتجدد ولا نتبدد.

أقول أن هذه الأمة لا يخرجها مما هي فيه إلا منهج الأنبياء الذي يوضحه العلماء، التغيير لأهل العلم.

قال الإمام مالك: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

قال البشير الإبراهيمي:”جملة لم تكن من كلام النبوة فإن عليها مسحة من النبوة ولمحة من روحها وومضة من إشراقها”.

كان عبد الحميد بن باديس يؤسس لدولة المستقبل فوضع شعارا في جريدة الشهاب 1925م شهر جويلية:”الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء” أليس هذا المبدأ تقول وتعمل به الأمم الغربية اليوم فصلحت دنياهم.

الشيخ عبد الحميد بن باديس لما اشتد الخلاف بين أبناء الوطن الواحد دعاهم في المؤتمر الإسلامي 1936: الوطنيين والاندماجيين والشيوعيين إلى مؤتمر في قاعة الأطلس: كان يقول: انبذوا الزعامات اتركوا الحزازات برهنوا للعالم أنكم أمة تستحق الحياة.

المسجد والإمام والداعية والعالم هو الذي يصنع مستقبل الأمة ويعمل على جمع كلمتها.

الإسلام لا يوافق اللائكية التي تدعو إلى إبعاد الدين عن حياة الناس: مثلا مالك الذي تحصلت عليه فيه حق للفقير والضيف: وضع له تنظيم خاص .

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أرغب في الضيافة فهل لي فيها أجر؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم ما تقدمه لغني أو فقير، لك فيه أجر، قال: وما هي مدة الضيافة؟ فقال: ثلاثة أيام وقال صلى الله عليه وسلم:”من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه وجائزته”.

قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ فقال:”يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام وما زاد فهو صدقة”.

الجائزة هي القرى وهو الطعام الذي يقدم للضيف.

وجاء في السلسلة الصحيحة قوله صلى الله عليه وسلم:”إذا أصبح الضيف محرما فيأخذ من قِراه ولا حرج عليه”.

هذا غيض من فيض من الأمثلة التي تدل دلالة قاطعة أن الإسلام هو الحياة ودين كامل: عقيدة وشريعة ودنيا وآخرة.

والحمد لله رب العالمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دور الدين في حياة الناس/ أ. آمنة فداني

قال المؤرخ والمحدث ابن حبان رحمة الله عليه:” الحكمة ضالة المؤمن يأخذها ممن سمعها ولا …