الرئيسية | في رحاب الشريعة | سلوكات في الميزان بين عادات الإنسان وشريعة القرآن/ محمد مكركب

سلوكات في الميزان بين عادات الإنسان وشريعة القرآن/ محمد مكركب

أخلاق الصائمين هي أخلاق المتقين في رمضان وفي غير رمضان، والضوابط التي تحكمهم وتهديهم هي أحكام شريعة القرآن، في كل زمان وفي كل مكان. وعندما يبتعد المسلمون قليلا عن كتاب ربهم تلعب بهم رياح الأهواء ذات اليمين أو ذات الشمال وعدوهم يتربص بهم من هنا من داخل النفس الْمُسَوِّلَةِ لصاحبه الانغماس في برك الشهوات، ومن هناك من مُزَيَّنَات الشيطان وهو يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير. أخبر الله عباده بأنهم يصومون ليكونوا من المتقين، وعلمتم أن التقوى تعني العمل بالشريعة، فمعنى اتق الله

{اعمل بشريعة الله} فالعابدون منضبطون بالإيمان والإسلام والإحسان، ومن الإحسان أن نعبد الله سبحانه كأننا نراه فإن لم نكن نراه فإنه يرانا جل جلاله، ويسمع كلامنا، ويعلم نياتنا.

1 ـ سلوك الشَّمَّامِين والمدخنين مخالف للمتمدرسين في مدرسة الصائمين. بل ومخالف للسلوك الإنساني الإيماني، ونأخذ هنا هذا السلوك المنحرف كرمز سلبي لباقي الانحرافات النفسية، ومن هنا يبدأ ميزان القرآن بسلوك بعض المنحرفين عن شعب الإيمان ومنهم أصحاب الشمة والدخان، ولا تستهن بهذا فهو سلوك قبيح. والنصيحة لكل من ابتلاهم الله حيث قادتهم التقاليد والعادات إلى سلوكات قبيحة لا تليق بالعابدين والصالحين، منها مجالس الهو، والغناء، واللغو، والتسكع في الطرقات بلا هدف، وتوجه النصيحة بالخصوص إلى الشباب، للإقلاع عن عادة الشمة والدخان، فهذه العادة من الأمراض النفسية والرذائل المعادية للنفوس الزكية. أيها الشباب إن هذه السلوكات محزنة، فالشمة تحت الشفة العليا منظر قبيح، وضرر صريح. ليس من الرجولة أيها الشباب أن يمارس المرء ما يقتل به نفسه بنفسه، وربنا قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً} (النساء:29) أما تعلم أن الشمة والتبغ والحشيش والمخدرات والخمر كلها من السموم التي تهلك جسم الإنسان؟ ألم تعلم هذا؟؟ أم أنك تنتقم من نفسك بنفسك؟ فاسأل الطبيب واسأل والدك واسأل المجربين، لماذا تجرب بنفسك أيها الشاب العاقل؟؟ ثم إنك تشارك في التبذير والله تعالى قال:{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}(الإسراء:27) وقد ثبت أن الذين يمارسون هذه الموبقات يؤذون المؤمنين في الطريق في المؤسسات في الجامعات في الساحات، هم بالليل والنهار وصمة عار. والله تعالى قال: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً} (الأحزاب:58).

2 ـ سلوك قبيح آخر هو عادة رفع الصوت والصخب: في الخصومة والحوار والنقد في صورة حماقة جاهلية ومراهقة صبيانية. وهذا السلوك اللاإنساني وهو عادة رفع الصوت والصراخ مرض أصيب به حتى بعض أعضاء مجالس الشورى والإداريين في كثير من بلدان العالم والعالم المتخلف أكثر، بل حتى بعض العلماء والدعاة عندما يتحاورون يتخاصمون بأسلوب متهور عبثي مقيت ينتقدون بعضهم بروح عدوانية. والنبي الذي أمرنا أن نتأسى به لم يكن لعانا ولا صخابا ولا سبابا ولا مجاهرا بالسوء، بل كان[أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا] عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال:[ لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا، وكان يقول:[إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا](البخاري.3559).

فكيف انتشرت عادة الخصام والنزاع والشجار برفع الصوت بين كثير من المسلمين، بل وبالسب والشتم؟ أين هي آداب وأخلاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي لم يكن فظا ولا غليظ القلب، بل كان رحيما متواضعا، أوتي جوامع الكلم يخاطب الناس فيبين بما يقتضيه جمال اللغة وفصاحة الكلمات ورقة الحروف، ولا يقاطع مخاطبه ولو كان خصما. من العجب العجاب عند من تعودوا حوار الخصام ومناقشات الصدام، أن الواحد منهم ولو جلس وحده في تحليل نقدي تسمعه يصرخ ويرغي ويزبد وتراه يلوح بيديه وكأنه يجابه عدوا في حلبة صراع.؟؟!! والشجار في الحوار عادات سلبية مقيتة لا تليق بعباد الرحمن.

3 ـ سلوك فاسد آخر وهو التبرج الجاهلي الذي تسلكه بعض النساء في المجتمعات الإسلامية، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات كما وصفهن النبي صلى الله عليه وسلم.في الحديث:[صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا](مسلم.كتاب اللباس.2128).

ومعلوم أن من تفعل هذه المنكرات وتتبرج أمام الشباب ليست من المتزوجات، وإنما هن من العوانس أو المطلقات اللاتي لسن في عِصَمِ الرجال، إذ أن الرجل المؤمن الذي يصلي ويزكي ويصوم ويصلي التراويح لا يسمح له ضميره أن تترج زوجته التي يسأل عنها يوم القيامة لا يتركها تخرج بين الرجال متبرجة في لباس الفاتنات الفاسقات المارقات. ألا تستحي المتبرجة إن كانت تؤمن بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، ألا تستحي من الله؟ ألا تخشى الله؟ ألا تتقي ربها عز وجل؟ ثم أين أبوها؟ وأين أمها؟ ثم  أين أولو الأمر؟؟؟ الذين أمرهم الله بتبليغ القرآن لكل المسلمين؟ ومنه هذه الآية؟{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}(النور:31).

بعد أن أمر الله سبحانه المؤمنين بغضّ أبصارهم، أمر المؤمنات كذلك. فقال: قل يا أيها النبي للمؤمنات: عليهنّ أن يحفظن أبصارهن فلا ينظرن إلى المحرَّم من الرجال. ويحفظن أنفسَهن من الوقوع في الزنا وفتنة الغير. وذلك بستر أجسامهن ما عدا الوجه والكفّين. وهذا معنى قوله تعالى:{وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}.وليضعن الخمارَ على رؤوسهن لِيَسْتُرْنَ بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن. والخمار غطاء الرأس للمرأة.

4 ـ ثم هل بعض الفتيات العربيات اللاتي يلبسن السراويل المستوردة الكاشفة، هل عجزن لجهلهن وتقليدهن الأعمى لغير المسلمين، هل عجزن عن نسج وخياطة سراويل ساترة محتشمة، وفساتين أخلاقية، وجلابيب ومروط تليق بالفتاة المؤمنة الحيية التي تتقي ربها وتحفظ كرامتها؟ الظاهرة الغريبة والحاملة للفتنة والمصيبة هو انتشار   الألبسة الأجنبية المستوردة والمحلية الفاضحة، وبعض من وصفهن الحديث يتنافسن على شرائها بكل شره ونهم.

وقد يتساءل القارئ قائلا: مادامت القضية الأخلاقية في فضائح الألبسة وحوار السب والشتم، والشمة والدخان، مطروحة في كل زمان لماذا التركيز عليها في رمضان؟ ولقد قال قوم قبل هذا السؤال: مادام القرآن لكل زمان ومكان لماذا الاهتمام بالقرآن في رمضان أكثر؟ قلت: إن هدف المقال ليس هذا أي لا ندعو إلى الالتزام في رمضان فقط ثم بعد رمضان يتحلل الناس من ضوابط الأدب وقيم الإيمان، إنما هو ما يدور في ذهنك بالذات أن يكون المسلم ذا شخصية قرآنية وذا روح إنسانية  في كل حياته، والدعوة إلى القرآن والتخلق بأخلاق القرآن في كل زمان، وفي كل مكان، ولكن رمضان مدرسة عظيمة للتدريب والتهذيب والتطبيب، رمضان له شأن عظيم في الاهتمام بالقرآن وأخلاق القرآن. ولا أدل على هذا من قول الله سبحانه في البيان والتبيان.﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهو الجواب الشافي والكافي، وآيات كثيرة، ومن الأحاديث:[إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ، وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنْ جَهِلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ](ابن ماجة 1691). وما ذكرناه وبيناه كاف في مدلولاته ومعناه. وعند مسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” قال الله عز وجل:[ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ] (مسلم.1151).

ولتستعن بالله العلي العظيم لا تنس الدعاء ومنه الدعاء عند الإفطار.[ إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ» قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو، يَقُولُ إِذَا أَفْطَرَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَغْفِرَ لِي] (ابن ماجة.1753).

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …