الرئيسية | وراء الأحداث | رحيل المجاهد الشيخ عباسي مدني…مآثر وذكريات!/ عبد الحميد عبدوس

رحيل المجاهد الشيخ عباسي مدني…مآثر وذكريات!/ عبد الحميد عبدوس

كنت من بين عشرات الآلاف من الجزائريين الذين حضروا مساء يوم السبت 22 شعبان 1440 هـ، الموافق27 أبريل 2019 م، إلى مقبرة سيدي امحمد ببلدية الشهيد محمد بلوزداد (العاصمة) لتشييع جنازة المجاهد الدكتور الشيخ عباسي مدني الذي يعتبر من القامات الشامخة في الحركة الإسلامية، وأحد رموز النضال السياسي في الجزائر، ومن الشخصيات العلمية المرموقة في الأوساط الجامعية وطنيا وإسلاميا.

كان حضور كل ذلك الحشد الجماهيري من مختلف الاعمار والفئات والجهات لتوديع رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، بمثابة رد شعبي واضح على محاولات التشويه والإقصاء والتحامل على شخصية المجاهد الشيخ عباسي مدني.

ومن المفارقات المسجلة في حادثة تشييع جثمان الشيخ عباسي مدني أن أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وعدد من المسؤولين والأعيان والشخصيات الرسمية والشعبية القطرية أدوا صلاة الجنازة على روح الشيخ عباسي مدني، الذي كان مغطى بالعلم الجزائري الذي وافته المنية بمنفاه في الدوحة يوم الأربعاء 19 شعبان 1440 هـ، الموافق لـ 24أبريل 2019، في حين لم تحضر الشخصيات الرسمية الجزائرية جنازة الشيخ عباسي، والأدهى من ذلك حرمت السلطات الجزائرية أبناء الشيخ الراحل، ورفيق دربه ونائبه في حزب الجبهة الإسلامية  للإنقاذ الشيخ علي بن حاج من حضور جنازته، ولم يقدم وزير المجاهدين الطيب زيتوني كما جرت العادة عند وفاة المجاهدين الذين ضحوا من أجل استقلال الجزائر تعازي وزارة المجاهدين لعائلة المجاهد الشيخ عباسي مدني الذي بدأ النضال السياسي من أجل تحرير الجزائر حتى قبل أن يولد الطيب زيتوني.

وقد سجلت الإعلامية المتألقة خديجة بن قنة على حسابها الرسمي في تويتر مفارقة أخرى تمثلت في تنظيم السلطات الجزائرية جنازة رسمية بحضور أعضاء من الحكومة الجزائرية، جنازة رسمية للممثل الفرنسي روجي حنين (Roger_Hanin) الذي دفن في 12 فيفري 2015بالمربع اليهودي في المقبرة المسيحية ببولوغين في الجزائر العاصمة، وفق التقاليد اليهودية، لمجرد أنه ولد في الجزائر خلال فترة الاحتلال الفرنسي، في حين لم يشر التلفزيون الرسمي حتى إلى خبر وفاة المجاهد عباسي مدني، ولم يغط وقائع جنازته الحاشدة بالحضور الجماهيري التي خطفت أضواء الإعلام الدولي.

لقد حدث كل ذلك بعد تسع جمعات كاملة من انطلاق الحراك الشعبي المبارك أو الثورة الشعبية السلمية على فساد النظام القائم، مما يؤكد أن الحراك الشعبي لم ينجز إلى حد الآن إلا القليل من مطالبه.

للأسف لم يكن المجاهد الدكتور عباسي مدني هو أول مجاهد تم تجاهل وفاته من طرف السلطات الجزائرية الرسمية بسب خلافات سياسية، فقد تم قبل ذلك تجاهل أحد أكبر قادة ثورة التحرير المجيدة هو العقيد كريم بلقاسم ـرحمه الله ـ عضو لجنة التنسيق والتنفيذ، ووزير القوات المسلحة في الحكومة المؤقتة، وقائد الوفد الجزائري في مفاوضات إيفيان التي فتحت أبواب تقرير المصير للشعب الجزائري. الذي مات مغتالا في المنفى بألمانيا في أكتوبر 1970. وأسدل ستار الصمت والتجاهل في الجزائر على خبر وفاته.

وبعد ذلك بحوالي 24سنة، توفي المجاهد البطل العقيد محمدي السعيد المدعو سي ناصر قائد الولاية الثالثة التاريخية وقائد أركان المنطقة الشرقية بغار ديماو خلال سنوات الثورة، الذي وافته المنية في ديسمبر 1994 خلال تأزم سنوات العشرية الحمراء ودفن وسط تجاهل رسمي وحضور شعبي محتشم وربما متوجس من غضب السلطة بسبب موقف العقيد محمدي السعيد ـرحمه الله ـ الذي رفض بشدة توقيف المسار الانتخابي الذي فازته به الجبهة الإسلامية للإنقاذ في  ديسمبر1991.

تعرفت على الشيخ الدكتور عباسي مدني ـعليه رحمة الله ـ في سنة 1974عندما كان يدرسنا مادة نظرية التربية بجامعة الجزائر، وكنت ـآنذاك ـ أكثر من مشاكسته بأسئلة كثيرة ،فكان يقابلها برحابة الصدر وابتسامة مرحبة بل كان يثني على “جرأتي” أمام الطلبة والطالبات الحاضرين في مدرج الجامعة. كوسيلة لتشجيع طلبته على النقاش الحر والتعبير عن آرائهم بكل صدق، وكان احترامي له يزداد بمرور الأيام لدماثة خلقه وغزارة علمه.

بعد سنوات طويلة من التخرج من الجامعة زرت الشيخ عباسي مدني في إطار عملي الصحفي في مكتبه بمقر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بشارع شاراس بالجزائر العاصمة، فغمرني بلطفه مرة أخرى وقام من مقعده وأصر على تقديم الشاي  لي بنفسه، ولما رجوته إلا يقوم من مكانه، قال لي مبتسما: “لقد قمت من مقعدي وصببت لك الشاي وأنا عباسي مدني ،وجلست في مقعدي وأنا عباسي مدني فلم ينقص مني شيء”.

وللتذكير، فقد بدأ المجاهد عباسي مدني ممارسة العمل السياسي منذ 1948 في الحركة الوطنية الجزائرية، وكان عمره 17 سنة عندما انخرط في حزب الشعب الجزائري ثم في حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وكان قد درس في مدينة بسكرة علي يد أحد رجالات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هو الشيخ نعيم النعيمي، وكان رفيقه  في الدراسة الشهيد العربي بن مهيدي أحد أبرز محرري بيان أول نوفمبر التاريخي، وأحد أهم قادة ثورة التحرير.

انضم عباسي مدني تحت قيادة الشهيد محمد بلوزداد إلي المنظمة السرية (OS) التي دربت الشباب الجزائري على التحضير للعمل المسلح لتفجير الثورة التحريرية، وكان المجاهد عباسي مدني من أوائل مجاهدي الثورة الجزائرية، حيث نفذ أول عملية عسكرية له ليلة اندلاع ا الفاتح نوفمبر 1954 وقاد مجموعة من المجاهدين الذين هاجموا مقر الاذاعة الفرنسية بالجزائر العاصمة، ولكن الشرطة الفرنسية تمكنت من اعتقاله في 1954 وبقي في السجن سبع سنوات إلى غاية استرجاع الاستقلال الوطني سنة 1962.

بعد استرجاع الاستقلال الوطني، واصل الدكتور عباسي مدني مساره الدراسي في جامعة الجزائر حتى حصل على شهادة  ليسانس في الفلسفة ثم واصل الدراسات العليا حتى دكتوراه الدرجة الثالثة في التربية المقارنة. ودرس في العاصمة البريطانية ما بين 1975 و1978 حيث حاز دكتوراه الدولة في مادة التربية، وفي سنة 1989، بعد صدور دستور فيفري 1989 الذي أنهى عهد الحزب الواحد، وفتح الباب لاعتماد الجمعيات السياسية، كان الشيخ عباسي مدني من مؤسسي الجبهة الإسلامية للإنقاذ وانتخب رئيساً لها من طرف مجلسها الشورى. وفي جوان 1990م قاد حزبه إلى أول نجاح انتخابي حيث فازت الجبهة الإسلامية بالأغلبية في المجالس البلدية والولائية في أول انتخاب تعددي تشهده الجزائر منذ استقلالها في 1962م. وبعد أحداث جوان 1991 التي عرفتها الجزائر، تم اعتقال عباسي مدني في 30 جوان 1991 بأمر من الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الوطني، والجنرال محمد مدين المدعو توفيق قائد المخابرات.

وعلى الرغم من اعتقال الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ ونائبه الشيخ علي بن حاج وعدد من أعضاء المكتب التنفيذي الوطني  ظلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ أكبر الأحزاب السياسية في الجزائر، وفازت بالجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت في 21 ديسمبر 1991م. وهذه الانتخابات تم إلغاؤها من طرف قيادة الجيش.

وفي 16 جويليه 1992م حكمت عليه المحكمة العسكرية في البليدة رفقة علي بلحاج بالسجن 12 سنة . وقضى في السجن والإقامة الجبرية خمس سنوات حيث أُطلق سراحه في 2 جويلية 1997م، ثم فرضت عليه الإقامة الجبريّة في بيت والده الواقع بحي بلوزداد ابتداءً من 1 سبتمبر 1997 إلى 21 أوت 2003م حيث غادر عباسي مدني الجزائر قاصدا ماليزيا لإجراء فحوص طبية ثم توجه إلى الدوحة واستقر فيها إلى غاية التحاقه بالرفيق الأعلى في 24أفريل 2019.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتـــور عبــد الله شريــط الفيلســوف الـمناضــل

أ. عبد الحميد عبدوس/ عن عمر ناهز تسعة وثمانين عاماً رحل المجاهد الأستاذ الدكتور عبد …