الرئيسية | حديث في السياسة | نهاية مرحلة/ التهامي مجوري

نهاية مرحلة/ التهامي مجوري

هذه المرحلة هي مرحلة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، التي أسس لها منذ مجيئه في سنة 1999، ونهايتها كانت مع القاء القبض على رؤوسها مطلع هذا الأسبوع.

تميزت هذه المرحلة بتمييع الحياة السياسية، وانتشار الفساد السياسي والمالي، ابتداء من فكرة “المترشح الحر”، التي ساهمت في ترسيخها أحزاب التحالف السياسي، وهي بالأساس جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم وحركة النهضة، التي سارت في ركاب سياسة الرئيس، في إطار كذبة مرشح الإجماع والمصالحة الوطنية.

منذ متى كان الحزب السياسي يقبل بأن يكون خمّاسا لمترشح تبرأ من جميع الأحزاب؟ فهرولت إليه مسرعة؟ ومنذ متى كانت الأحزاب تناضل من أجل تجسيد برنامج رئيس الجمهورية متنازلة عن مشروعها وبرنامجها المفترض؟.

ومنذ متى كانت التعددية السياسية تقبل باحتكار الساحة السياسية لفئة معينة من الناس موالين للرئيس وحواشيه القريبة والبعيدة..؟ ومنذ متى كان بناء الدولة على الأساس الجهوي والولاء العائلي؟  كل  ذلك كان في هذه المرحلة، مرحلة بوتفليقة.

حاء بوتفليقة بدعم من السلطة الفعلية، وبحكم أنه لم يكن يعنيه أن يكون في جو تعددي تنافسي يفوز فيه برئاسة الجمهورية، واصل في جو كرنفالي بعد انسحاب المرشحين الستة وهم: أحمد طالب الإبراهيمي، حسين آيت أحمد، مولود حمروش، حسان الخطيب، عبد الله جاب الله، ومقداد سيفي، احتجاجا على عدم تجاوب السلطة الفعلية، مع مطالب المترشحين المتعلقة بضمان نزاهة الإنتخابات.

أوهم الرئيس بوتفليقة –يومها- الجماهير التي لم تعرف عنه إلا أنه كان مجاهدا…، بأنه رجل المرحلة ورجل المصالحة الوطنية، وأشبع الناس بكل ما لذ وطاب لهم من الوعود، حتى أنه حصل على نسبة كبيرة من القبول الشعبي في الاستفتاء الشعبي على مشروع الوئام المدني، الذي تحول إلى مشروع سلطوي أقل ما يقال فيه أنه لم يكن عادلا في التعامل مع آثار الأزمة التي عاشتها البلاد خلال السنوات السبع 1992/1999.

لقد أخضع بوتفليقة الجميع إلى سلطته المباشرة، بالحق وبالباطل، بمن في ذلك قيادات الجيش الوطني الشعبي، الذي يمثل العمود الفقري للدولة الجزائرية، ولو استمر الأمر كما كان لحطم الجيش وحوله إلى أثر بعد عين.. فقد استبعد جميع القوى المحيطة بمؤسسات الدولة، وأغدق على أرباب المال الفاسد بكل ما أوتي من قوة، بحيث أصبح لهذا المال قوة لا تضاهيها قوة، بحيث تحولت إلى صاحب قرار حقيقي في كل ما يتعلق بالدولة، لا سيما بعد مرضه الذي أقعده، فتولى التسيير “القوى غير الدستورية” كما سماها رئيس أركان الجيش، وعلى رأسها أخ الرئيس السعيد بوتفليقة ومستشاره الخاص.

فانسحاب الرئيس من الترشح للعهدة الخامسة، بسبب الضغط الشعبي ومرافقة الجيش للحراك الشعبي، ثم استقالته من الرئاسة التي لم يبق منها إلا أشهرا قليلة، ثم تحرك الآلة الأمنية والقضائية لمتابعة أرباب المال الفاسد، وأخيرا إلقاء القبض على الثلاثي: السعيد بوتفليقة، وبشير طرطاق، ومحمد مدين المدعو توفيق، يعد بحق نهاية مرحلة، ولكن هذه المرحلة ليس من السهل أن تمحى آثارُها، حيث لا يمكن القضاء على عملية تدمير دامت 20 سنة، وإنما هي خطوة يمكن أن تكون خطوة في إطار البناء الجديد للجزائر.

والصعوبة تكمن في أن عملية الإفساد طالت جميع المجالات، الرسمية والشعبية، بمن في ذلك المواطن نفسه، الذي ينظر بعين الريب في كل شيء يأتي من المؤسسات الرسمية، فهو يشك في كل شيء…، ومن ثم لا يعترف بشيء جاء من السلطة مهما كانت نيتها.

ولعل من الآثار السلبية لهذه المرحلة على مستقبل البلاد، هو هذه الهوة التي بين الرسميين والشعبيين، التي ورثها الشعب معمقة بأبعادها السيئة على كل شيء، نهب للمال العام ورشوة وغيرها من وجوه الكسب غير المشروع.

ومع كل ذلك، فإن نهاية المرحلة يعبر عنها زوال رؤوسها بمواقعهم المختلفة، والبقية تأتي مع الزمن، بجهود القوى الوطنية الصادقة والمؤتمنة على واقع الأمة ومستقبلها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …