الرئيسية | في رحاب الشريعة | محطات التذكر من خلال الأحداث التاريخية في رمضان/ محمد مكركب

محطات التذكر من خلال الأحداث التاريخية في رمضان/ محمد مكركب

شهر رمضان شهر الصبر والجهاد، والجد والإعداد، كيف لا؟ وهو شهر القرآن والتوبة والغفران وامتحان أهل الإيمان. ففي رمضان كانت غزوة بدر، فكان يوم الفرقان، وغزوة الفتح فكان يوم الأمن والأمان، فتح مكة لاكتمال دولة الإيمان في شبه الجزيرة العربية، وذلك يوم فتح الله العلي العظيم لنبيه عليه الصلاة والسلام فتحا مبينا، وفي رمضان كانت أكبر معارك فتح الأندلس. وأعظم الأحداث على الإطلاق التي وقعت في رمضان نزول القرآن الكريم. قال الله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}[البقرة:185] 1 ـ نزول القرآن في ليلة القدر في رمضان:
إن أهم حدث في رمضان هو نزول القرآن الكريم، والقرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة جملة واحدة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور. فما معنى تخصيص إنزاله برمضان؟؟ والجواب عنه من وجهين:
الأول: أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في ليلة القدر من شهر رمضان، ثم نزل إلى الأرض نجوما،أي مفرقا.
والوجه الثاني: بدأ نزوله في رمضان ثم كان ينزل به جبريل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام منجماً، وقتاً بعد وقت، وزمناً بعد زمن، حسب الحاجة إلى ذلك، وكانت أول آية في غار حراء، عندما جاءه وقال له: اقرأ إلى أن قال له: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}[سورة العلق:1] إلى آخر الآيات. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
يكفي شرفا لهذا الشهر العظيم أن يكون شهرَ أشرفِ كتابٍ سماوي إلهي نزل إلى أهل الأرض، على قلب أشرف نبي إلى أشرف أمة. هذا الشهر الذي لما فيه من البركات والخيرات قال فيه سيد الخلق وحبيب الحق محمدٌ بنُ عبد الله صلى الله عليه وسلم: [إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ] (مسلم. كتاب الصيام. باب فضل شهر رمضان. رقم: 1079). [وكان يلقاه جبريل عليه السلام في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن]. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا}[الفرقان:32] وقال الكافرون: لو كان القرآن من عند الله حقاً لأنزله جملةً واحدة، أي دفعة واحدة. فردّ الله عليهم مقالتهم، وبيّن لهم فوائدَ إنزاله منجَّماً، ومنها تثبيتُ قلب النبي صلى الله عليه وسلم، بتيسير الحفظ، وفهم المعنى، وضبط الألفاظ لأن القرآن أنزل هداية للناس. ثم وعده بأنهم كلما جاؤوا بشبهةٍ أبطلَها بالجواب الحق، والقول الفصل الذي يكشِف وجه الصواب، قال تبارك وتعالى: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} وفرّقناه آية آية: على مهل وتؤدة. قال ابن كثير: «يمدح الله تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينها لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء» قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[الْقَدْرِ:1] وَقَال الله جل جلاله: {إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ}[الدخان:3] ما معنى قوله تعالى:{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.إنه دليل وتوجيه للناس ليعرفوا طريقهم إلى الجنة، وبينات من الهدى والفرقان ليعلم الناس طريق الحق من طريق الباطل، وهذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد، فمن آمن به وصدقه وعمل بأحكامه هداه واستنار به وفاز في الدنيا براحة الضمير ويوم القيامة بحسن المصير في الجنة مع البشير النذير، والبينات الدلائل والحجج، فالآية القرآنية بينة واضحة جلية للأفهام لمن تدبرها ووعاها، وأنزله مفرقا بين الحق والباطل والحلال والحرام، والمعروف والمنكر، والفساد والصلاح. هذا وإن الكلام عن نزول القرآن هو موضوع الموضوعات في أحداث التاريخ عموما ورمضان خصوصا.
2 ـ ومن محطات التذكر في باب حدث نزول القرآن في رمضان يأتي التذكير بليلة القدر:
وما أدراك ما ليلة القدر. عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ](مسلم.1165) وتحينوا: التمسوا، وتحروا. وفي حديث: [إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَإِنِّي نَسِيتُهَا – أَوْ أُنْسِيتُهَا – فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْرٍ] (مسلم.1167). فقال أبي:[والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان، يحلف ما يستثني، ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها](مسلم.762). [مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] (الترمذي.683)
3 ـ غزوة بدر وما أدراك ما غزوة بدر. معركة بدر الكبرى:
وهي يوم الفرقان الذي فرق الله فيه بين الحق والباطل، فانتصر فيه الإسلام، واندحر الشرك والوثنية. والمعركة حدثت في يوم الجمعة في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[آل عمران:123]، وقال ابن عباس: كانت يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وفيها قتل فرعون المشركين أبو جهل أكبر أعداء الإسلام. جاء التنزيل بهذه الآيات ليذكّر المؤمنين أن الله نصرهم يوم بدرٍ رغم كونهم قلة ضعفاء، لأنهم ثبتوا وصبروا، فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا أنكم إن تصبروا ينصركم الله دائماً كما نصركم في ذلك اليوم العصيب. لماذا سميت غزوة بدر؟ لأنها وقعت بمكان ماء بدر.
ويقع ماء بدر على مسيرة مائة وعشرين ميلاً إلى الجنوب الغربي من المدينة، وكان اللقاء فيها بين المسلمين وكفار قريش يوم الجمعة في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة. وكان عدد المسلمين 313 رجلا. أما المشركون فكانوا نحو ألف مقاتل بكامل أسلحتهم وعُددهم.
وقد أنجز الله وعده في هذه المعركة غير المتكافئة، فكان النصر للمؤمنين رغم قلّتهم وندرة سلاحهم. وبفضل ذلك الانتصار صارت كلمة الإيمان هي العليا. كانت بدر مقدمةً لانتصارات متلاحقة عَقَبتها حتى امتد ظل الإسلام على الجزيرة العربية كلها.
لكن ما هي أسباب الانتصار؟؟ 1 ـ العمل بالشريعة لم يخالفوا حرفا منها عمدا. 2 ـ اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخالفوا أمره أبدا. 3 ـ النية والإخلاص. 4 ـ الإعداد والإحكام والإتقان. 5 ـ الصبر والتعاون والمرابطة وحب لقاء الله تعالى.
والعبر والعظات من الآيات البينات: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} والمعنى: ولقد نصركم الله ببدرٍ حينما كنت يا محمد تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم لتطمئن نفوسكم أن يُعينكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة يرسلهم من عنده مدداً لكم! بلى، إن تصبروا على لقاء العدو، وتتقوا الله، ويأتِكم أعداؤكم على الفور يرفع ربكم عدد الملائكة إلى خمسة آلاف. بذلك يعجّل لكم النصر عليهم ويسهّل عليكم أمركم. كل هذا بشارة لكم بالغلبة عليهم، ولتسكنَ به قلوبكم، إذ ما النصر إلا من عند الله، فهو الذي يدبِّر الأمور على خير السنن وأقوم الوسائل. والحوادث التاريخية تتضمن الدعوة إلى دراسة التاريخ. {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[الأنفال:26] هذا وفي غزوة بدر خلاصة منهاج الجهاد كله لم أحسن وأتم تدبر سورة الأنفال. فلينتبه القارئ الكريم إلى هذه الملاحظة. دون نسيان ضوابط التفسير الموضوعي.
4 ـ فتح مكة وإتمام النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
فتح مكة: وهو الفتح الأكبر لقوله تعالى:{إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً * لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً * وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً}[الفتح:1/3] حدث في يوم الجمعة في العشرين أو الحادي والعشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وقد تم به القضاء على فلول الوثنية، وتم به تحطيم الأصنام حول الكعبة. مع أن سورة الفتح نزلت لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صده المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام. فقبل سنتين من الفتح جاءت البشارة في الوحي الكريم من الرب الكريم للرسول الكريم. فقد جعل الله ذلك الصلح (صلح الحديبية) جعله فتحا باعتبار ما فيه من المصلحة للبشرية وما آل إليه الأمر إلى صالح المسلمين، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، وغيره أنه قال: «إنكم تعدون الفتح فتح مكة ونحن نعد الفتح صلح الحديبية، وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: ما كنا نعد الفتح إلا يوم الحديبية»(تفسير ابن كثير).

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …