الرئيسية | العالم الإسلامي | أنصار الثورة الجزائرية والجزائر المستقلة يغادروننا واحدا بعد الآخر في صمت رهيب/ سعدي بزيان

أنصار الثورة الجزائرية والجزائر المستقلة يغادروننا واحدا بعد الآخر في صمت رهيب/ سعدي بزيان

شاءت لي الظروف أن أعيش في باريس وأتابع باهتمام ما قام به الفرنسيون الأحرار، وما قدموه من تضحيات في سبيل استقلال الجزائر وحريتها واستقلت الجزائر، والتحق العشرات من الفرنسيين الأحرار الذين وقفوا معنا في مرحلة الشدة حيث غامروا بحاضرهم ومستقبلهم وجاءوا للجزائر إيمانا منهم بأن رسالتهم لم تنته باستقلال الجزائر بل إن الجزائر المستقلة بحاجة ماسة إليهم في مساعدتها في معركة البناء وهو ما وقع فعلا، وعاش هؤلاء في عهد الرئيس بن بلة في أمن وأمان وشكلوا حضورا في الإعلام والمسرح، حيث لعب جيرار شاليان دورا في إنشاء جريدة “الثورة الإفريقية” كما لعب جاك شارلي دورا في بعث المسرح الجزائري مع الشهيد محمد بودية الذي اغتاله الموساد في باريس بأمر من غولدا مايير عقابا له على دعمه لجهاد الشعب الفلسطيني، ونسينا جهاد هذا الرجل ثقافيا وسياسيا.

انقلاب 19 جوان 1965 بقيادة العقيد بومدين أنهى دور هؤلاء الفرنسيين الأحرار ومعهم بعض أنصار الثورة الجزائرية من بلدان أخرى وفي مقدمة هؤلاء الكاتب والمترجم المصري لطف الله سليمان الذي عمل مستشارا لبن بلة، ومديرا بمكتبة العالم الثالث الموجودة في ساحة الأمير عبد القادر، وقد أهمل دور هؤلاء سواء في ثورة التحرير وما قدموه من مساعدات للثورة الجزائرية، وفي فرنسا بتنسيق مع “اتحادية جبهة التحرير بفرنسا” بقيادة المناضل عمر بوداود الذي قاد الاتحادية من 1957 إلى الاستقلال، وبالتعاون معه وتوجيه منه قام المناضل والفيلسوف الفرنسي “فرانسيس جانسون” بتأسيس شبكة لدعم الجبهة بفرنسا تحمل اسم “شبكة جانسون” التي قامت بإيجاد أماكن الإيواء للمناضلين الجزائريين ورخص التنقل، وبالدرجة الأولى تحويل أموال جبهة التحرير التي هي خلاصة لاشتراكات المناضلين من عمالنا في فرنسا ونقلها إلى مصر وخاصة في سويسرا حيث الحساب الجاري لجبهة التحرير.

ولعب المناضل هنري كوريال وحرمه دورا فعالا في هذا الموضوع الحيوي واستطاعا معا وبالتعاون مع مناضلين آخرين من الفرنسيين نقل مئات الملايين من الفرنكات إلى حساب جبهة التحرير بسويسرا لتمويل المجهود الحربي في الجزائر وشراء أسلحة من أوروبا لفائدة جيش التحرير في الجزائر والحق يقال ويجب أن يقال أن لا أحد يستطيع نقل الأموال من فرنسا إلى سويسرا بسهولة وخاصة أموال المناضلين الجزائريين الذين كانوا خاضعين لرقابة شديدة من طرف السلطات الفرنسية التي فرضت حضر التجوال عليهم ليلا لتجميد نشاطهم وقد كتب الفرنسيون كتبا ودراسات عديدة عن عملية نقل أموال المناضلين الجزائريين من فرنسا إلى سويسرا وقد أطلق على هؤلاء حملة الحقائب ويعنون بـ كلمة حقائب أموال مناضلي جبهة التحرير بفرنسا التي تنقل بواسطة حوالي 7 حقائب إلى حساب جبهة التحرير بسويسرا في سرية تامة وبخبرة هنري كوريال الذي كان أبوه يدير مصرفا في القاهرة وتدرب هنري كوريال في مصرف والده، ووضع خبرته في خدمة جبهة التحرير بفرنسا وقد ساهم كاتب هذه السطور بكتاب كامل عن شبكة فرانسيس جانسون وهنري كوريال، بعنوان: “فرنسيون أحرار في ثورة نوفمبر 1954-1962” وفي غمرة الحديث عن الفرنسيين الأحرار في ثورة نوفمبر 1954، تنقل لنا الصحافة الباريسية وفاة المناضلة في سبيل استقلال الجزائر جوزات أودان 1931-2019، وهي حرم المناضل في سبيل استقلال الجزائر موريس أودان، الذي اختطفه المظليون الفرنسيون من منزله في الجزائر العاصمة في 11 جوان 1957، ونقل إلى مركز التحقيق والتعذيب في الأبيار بأعالي الجزائر العاصمة، تعرض للتعذيب، وتمت تصفيته جسديا في حين قالت الأوساط الرسمية الفرنسية أنه فر من سيارة الجيب التي كانت تقله، ولا توجد معلومات دقيقة عن وفاته، ومكان دفنه، فقد ظلت زوجته التي لحقت به مدة حوالي 60 سنة وهي تبحث عن حقيقة وفاة واختفاء زوجها دون نتيجة وقد تشكلت عدة لجان للإبقاء على قضيته حية ومحاولة الحصول على معلومات حول وفاته ومكانه، ومصيره بالضبط…

وتشاء الصدف أن تموت حرم موريس جوزيت أودان بعد فترة قصيرة من زيارة رئيس الجمهورية ماكرون لبيتها وتقديم اعتذار الحكومة الفرنسية وطلب الغفران، فقد لحقت بزوجها في 2 فيفري 2019، ودفنت في بوينيي في الولاية 3 شمال باريس وماتت وعمرها قد بلغ 87سنة، حيث ولدت في 15 فيفري 1931 بالجزائر، وتعرفت على أودان في الجزائر، وكافح سويا من أجل الجزائر المستقلة، وقبل فترة وجيزة أصدرت ابنة موريس أودان كتابا على مسيرة وسيرة والدها وهو بعنوان: حياة قصيرة، وقد ترجم الكتاب إلى العربية في الجزائر ورفضت وسام الشرف الذي قدم لها من رئاسة الجمهورية الفرنسية، وللعلم فإن ابنة موريس أودان ميشال هي الأخرى مثل والدها عبقرية في علوم الرياضيات وتتقن اللغة العربية لأنها ولدت في الجزائر ودرست فيها.

وها هي الجزائر تودع صديقا آخر للجزائر وهو بول بالطا المولود في 25 مارس 1929 في الأسكندرية يتقن الفرنسية والعربية والانجليزية درس في باريس وأنهى حياته فيها. وفي سنة 1970 أصبح صحافيا في جريدة “لوموند” وفي سنة 1973 أصبح مراسلا لجريدة لوموند في الجزائر والمغرب والجزائر في المقدمة حيث كان يقيم في فندق سان جورج الذي أصبح يحمل اسم فندق الجزائر.

مات في 27 جانفي 2019 في باريس عن عمر بلغ 90 سنة قضى جلها في ميدان الدراسات والأبحاث حول الوطن العربي والعالم الإسلامي وقدمت الجزائر الرسمية آخر تعازيها إلى أسرته كما قام سفير الجزائر في باريس بالإشادة بصداقته للجزائر التي عاش فيها وكتب عنها وفيها، منذ أن كان طالبا في “ثانوية لوي لوغراند” في باريس 1947.

وهو مهتم بالوطن العربي وقد أبدى اندهاشه من زملائه في الثانوية الذين يجهلون كل شيء عن الوطن العربي، بول بالطا يتحدث عن انطباعاته عن الجزائر وقائدها بومدين ويقول بهذا الصدد عندما استقبلني بومدين سنة 1973، قال لي “إن لك دما عربي من أم مصرية” وعلى هذا فإنك ستفهم المغرب العربي من الداخل، وقد استقبله بومدين على مدار 50 ساعة كاملة 1973-1978 وكان الحديث يجري بيننا ساعتين كل يوم هكذا قال بالطا في إحدى تصريحاته وفي سنة 1985، غادر جريدة لوموند وسرعان ما أسندت إليه مهمة مدير مركز الدراسات للشرق الأوسط المعاصر في جامعة السوربون الثالثة الجديدة، وظل في هذه المنصب 1988-1994 كما أسندت له مهام علمية بصفته متخصصا في الوطن والعالم الإسلامي.

بول بالطا وإنتاجه الفكري والسياسي

خلف الصحافي الفرنسي الراحل بول بالطا عدة كتب ذات الصلة بالجزائر والوطن العربي والعالم الإسلامي منها السياسة العربية لفرنسا منشورات 1973 استراتيجة بومدين 1978 أو الجزائر الجزائرية، وبقي بول بالطا الذي رحل مؤخرا صديقا وفيا للجزائر ويستدعى إلى الجزائر في المناسبات الوطنية، ونحن الإعلاميين لا نزال نذكر مكانة بول بالطا عند الرئيس هواري بومدين ولطالما تساءلنا لماذا يخص بالطا بمثل هذه المكانة التي لم يحظ بها أي إعلامي جزائري، وقد اعتبر بـ بالطا مرجعا في السياسة الجزائرية عند المسؤولين الجزائريين وخاصة وهو صحافي في جريدة لوموند التي تعتبر إنجيل الفرنكوفونيين في بلادنا، وبول بالطا على كل حال ظل وفيا لمواقفه تجاه الجزائر حتى بعد وفاة بومدين إلى أن رحل وقبل شهور من رحيله كتب مقدمة لكتاب صديقنا عبد القادر بن أعراب “الإسلام والهجرة” وسبق لبول بالطا أن أصدر كتابا عن الإسلام في العالم ونحن إذ نكتب هذه السطور إنما نعبر عن تقديرنا لكل من وقف معنا في السلم والحرب، فالوفاء مع الأسف منا قليل إزاء عظمائنا فما بالك بأصدقاء وأنصار أجانب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

المهندس عبد الحميد بولجاج وحديث عن مسلمي القوقاز/ ابراهيم بن ساسي

الشّيخ عبد الحميد بولجاج من مواليد بلديّة الأمير عبد القادر بدائرة  الطّاهير ولاية جيجل سنة …