الرئيسية | في رحاب الشريعة | في ذكرى الإسـراء والمعـراج

في ذكرى الإسـراء والمعـراج

بقلم الشيخ الدكتور/يوسف جمعة سلامة

خطيب المسجد الأقصى المبارك

وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق

www.yousefsalama.com

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد – صلى الله عليه وسلم -، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن اقتفى أثرهم وسار على دربهم إلى يوم الدين، أما بعد:

يقول الله تعالى في كتابه الكريم:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(1).

إننا نعيش في هذه الأيام في ظلال ذكرى طيبة مباركة، إنها ذكرى الإسراء والمعراج، ذكرى المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى، وأحد المساجد الثلاثة التي لا تُشدّ الرحال إلا إليها، وهي مكرمة اختصّ الله بها نبيه الكريم محمداً -صلى الله عليه وسلم-، ومن المعلوم أن حادثة الإسراء والمعراج ثابتة بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة المتواترة.

لقد جاءت حادثة الإسراء والمعراج بعد وفاة خديجة-رضي الله عنها- زوج الرسول- صلى الله عليه وسلم- التي كانت تُرَوِّح عن قلبه الهموم والأحزان، كما أن القدر أبى إلا أن يُكمل قضاءه فمات عمه أبو طالب في نفس العام الذي عُرف بعام الحزن، وأصبح الرسول –صلى الله عليه وسلم- بعد موتهما في مكة وحيداً، لا يجد أنيساً يُسَلّيه داخل البيت، ولا نصيراً يَحْميه خارجه، فكان لرحلة الإسراء والمعراج  أثرٌ كبير في نفس رسولنا – صلى الله عليه وسلم -، فقد استيقن بتكريم الله
عزَّ وجلَّ له، وأنه لن يتخلى عنه وسيؤيده بنصره، وكذلك في نفوس أصحابه الكرام – رضي الله عنهم أجمعين -، حيث كان الإسراء امتحاناً لإيمانهم.

لقد جمع الله سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى، حيث صَلَّى بهم  رسولنا-صلى الله عليه وسلم- إماماً في ليلة الإسراء والمعراج، كما جاء في الحديث عَنْ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-(قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-..قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَسْجِدَ الأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ)(2).

الربط بين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بالقدس

إن من أهم العظات والعبر المأخوذة من رحلة الإسراء والمعراج هي التفكر في ربط الله سبحانه وتعالى بين المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد الأقصى بمدينة القدس، فهذا الربط لم يكن عبثاً ولكنه إشارة وتنبيه لهذه الأمة بضرورة المحافظة على المسجد الأقصى المبارك لِمَا لَهُ من القدسية عند الله سبحانه وتعالى، وقد تجلى ذلك الربط في أمور عديدة، منها:

* لقد ربط الله –سبحانه وتعالى- بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى المبارك برباط وثيق في الآية الأولى من سورة الإسراء كما جاء في قوله تعالى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.

* كما ربط رسولنا -صلى الله عليه وسلم- المسجد الأقصى المبارك بشقيقيه المسجد الحرام والمسجد النبوي، فقد جاء في الحديث الشريف:( لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّـمَ- وَمَسْجِدِ الأَقْصَى)(3).

* كما كان المسجد الأقصى المبارك القبلة الأولى للمسلمين منذ فُرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج حتى أَذِنَ الله بتحويل القبلة إلى بيت الله الحرام، كما جاء في الحديث الشريف: عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-  قال:( صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ )(4).

* كما أن المسجد الأقصى المبارك هو ثاني مسجد بُنِيَ في  الأرض بعد المسجد الحرام، كما جاء في الحديث الشريف عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال:( قلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَيُّ مَسْجدٍ وُضعَ في الأرْضِ أوَّل؟ قَالَ: “اَلْمسجِدُ الْحَرَامُ“، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: “اَلْمَسجِدُ الأقْصَى“، قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: “أَرْبَعُونَ سَنَةً، ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةُ بَعْدُ فَصَلِّهْ، فَإِنَّ الْفَضْلَ فِيه“)(5).

القدس…. في ذكرى الإسراء والمعراج

تأتي ذكرى الإسراء والمعراج هذا العام مع ازدياد وتيرة الهجمة الإسرائيلية الشرسة على مدينة القدس بصفة عامة والمسجد الأقصى بصفة خاصة، حيث تتعرض مدينة القدس في هذه الأيام لمؤامرة من أشدّ المؤامرات وأخطرها، فالبيوت فيها تُهدم، والأرض تُنهب وتُصادر لتقام عليها المستوطنات، والمؤسسات تُغلق، والهويات تُسحب من أجل تفريغ المدينة من سكانها الأصليين، والشخصيات الدينية والوطنية والاعتبارية تُلاحق وتُمنع من دخول المسجد الأقصى بصفة خاصة ومدينة القدس بصفة عامة، وجدار الفصل العنصري يلتهم الأرض، وكل معلم عربي يتعرض لخطر الإبادة والتهويد، وسلطات الاحتلال تشرع في بناء عشرات الآلاف من الوحدات الاستيطانية لإحداث تغيير ديموغرافي في المدينة المقدسة من أجل إضفاء الطابع اليهودي عليها، ورغم كلّ هذه الاعتداءات الإجرامية فإن شعبنا الفلسطيني – والحمد لله – لا يزال يُثبت في كل يوم بسالةً وقوة وتضحية وتصديًّا للمحتل البغيض، في دفاع منقطع النظير عن أرض فلسطين المباركة، أرض الإسراء والمعراج ومهد الرسالات، ولا ننسى هبة المقدسيين قبل عدة أسابيع بفتح مُصَلَّى باب الرحمة، هذه الهبّة المُشرّفة التي تُضاف إلى سجل الصفحات المشرقة لنضالات شعبنا عبر التاريخ، وما إجبارهم لسلطات الاحتلال الإسرائيلي على إزالة الكاميرات الخفية والبوابات الإلكترونية، وإعادة فتح أبواب المسجد الأقصى بعد ذلك عنا ببعيد، فقد علّموا المحتل درساً بأن إجراءاته الظالمة لن تمرّ على شعبنا الفلسطيني ولن يوافق عليها إطلاقا، حيث إن المسجد الأقصى بساحاته وأروقته وكل جزء فيه سواء أكان فوق الأرض أم تحتها هو حق خالص للمسلمين وحدهم، وليس لغير المسلمين حق فيه.

فالقدس لا يمكن أن تُنسى، أو تُترك لغير أهلها، مهما تآمر المتآمرون وخطَّط المحتلون، الذين يسعون لطمس طابعها العربي والإسلامي، ومحوِ معالمها التاريخية والحضارية، ففي كل يوم تدفن جرافات الاحتلال الصهيوني جزءاً عزيزاً من تراثنا، كما تتهيأ معاول الهدم لتقويض جزء جديدٍ آخر، إنهم يريدون لفلسطين عامة وعاصمتنا الأبدية مدينة القدس بصفة خاصة أن تندثر وأن يندثر أهلها، ولكن فلسطين والقدس يجب أن تبقى فلسطينية عربية إسلامية إلى يوم القيامة.

القدس تقول لكم: سوف يتراجع الظلم، وينهزم الأعداء، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر، وإن الفجر آتٍ بإذن الله، رغم أعداء أمتنا كلهم .

واجب الأمة تجاه الأقصى والقدس

إن ارتباط المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالأقصى والقدس وفلسطين هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً ولا موسمياً مؤقتاً؛ لأن حادثة الإسراء من المعجزات والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، ومن هنا فلا بُدَّ لكل مسلم أن يعي تماماً واجبه والدور المنوط به تجاه المسجد الأقصى والقدس وفلسطين .

إن مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى المبارك ليست مسئولية الشعب الفلسطيني وحده وإن كان هو رأس الحربة في الذود عنه، إنما  هي مسئولية العرب والمسلمين جميعاً في مساندة هذا الشعب والوقوف بجانبه ودعم صموده؛ للمحافظة على أرضه ومقدساته، خصوصاً في هذه الأيام التي يتعرض فيها المسجد الأقصى المبارك والمدينة المقدسة لمؤامرات خبيثة.

لذلك فإننا نطالب أبناء الأمتين العربية والإسلامية ألاَّ ينسوا مسرى نبيهم محمد- صلى الله عليه وسلم- وأهله، وأن يعملوا جاهدين على المحافظة على المسجد الأقصى المبارك ومدينة القدس والمقدسات، فالواجب عليهم دعم أشقّائهم المقدسيين في شتى المجالات؛ كي يبقوا مرابطين ثابتين فوق أرضهم المباركة؛ لأن المواطن المقدسي هو الذي يدافع عن الأقصى والقدس والمقدسات صباح مساء، وما موقفهم المُشَرّف في قضية البوابات الإلكترونية والكاميرات الخفية، وفتح مُصَلَّى باب الرحمة عنا ببعيد!.

نسأل الله أن يحفظ أقصانا ومقدساتنا وأمتنا من كل سوء.

وصلى الله على سيدنا محمد r وعلى آله وأصحابه أجمعين

الهوامش:

  • سورة الإسراء الآية (1).

2- أخرجه أحمد.

3- أخرجه البخاري.

4- أخرجه مسلم.

5-  أخرجه البخاري.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …