الرئيسية | غير مصنف | الرئيس بوتفليقة وفتنة السلطة !

الرئيس بوتفليقة وفتنة السلطة !

عبد الحميد عبدوس

قبل حوالي 23 سنه التقيت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في فندق “الميريديان” بأبوظبي، وكان مقيما ـ آنذاك ـ بدولة الإمارات العربية المتحدة ويحظى بتقدير مؤسس دولة الإمارات الحديثة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ـ رحمه الله ـ  حيث كان السيد عبد العزيز بوتفليقة من بين مستشاريه.

كنت برفقة الكاتبة الإعلامية الجزائرية فتيحة بوروينة في مهمة صحفية.

جلسنا في صالون الفندق نتجاذب أطراف الحديث مع السيد عبد العزيز بوتفليقة الذي كان كعادته متحدثا لبقا واسع الثقافة وعميق الاطلاع على المحيط الدولي وعلى الواقع المعقد والمتأزم للجزائر التي كانت تعيش في قلب ما اصطلح على تسميته “العشرية السوداء”. سألنا بابتسامة عما نفعله في أبوظبي، وأخبرناه بأننا في مهمة صحفية للمشاركة في جائزة عبد العزيز البابطين، عرض علينا أن يرافقنا إلى إمارة الشارقة التي يحكمها صديقه الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لإجراء تحقيقات صحفية عن معالم النهضة الكبيرة التي حققتها إمارة الشارقة وعن إنجازاتها في المجال الزراعي. شكرناه على عرضه واعتذرنا له بضيق الوقت لأننا كنا قد حجزنا تذكرتي العودة إلى الجزائر في يوم الغد.

قبل هذا اللقاء بعامين كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد غادر الجزائر للمرة الثانية، بعد أن رفض العرض الذي قدمه له جنرالات الانقلاب على المسار الانتخابي لتولي منصب رئيس الدولة عقب نهاية ندوة الوفاق الوطني سنة 1994. لم أجد أنه من المناسب أن أسأله في هذا اللقاء العابر عن الأسباب التي جعلته يرفض هذا المنصب الرفيع الذي كان يسيل له لعاب كثير من السياسيين.

بعد فترة قصيرة انضم إلى مجلسنا عدد من الإعلاميين الجزائريين العاملين في أبوظبي، الذين جاؤوا للسلام علينا ومنهم الزملاء مدني عامر، ومراد شبين، وعمار شواف، وهم من نجوم الإعلام التلفزيوني.

تشعب بنا الحديث إلى قضايا عديدة منها مدى نفوذ وتأثير “حزب فرنسا” في الجزائر، لم يكن الرئيس بوتفليقة متحمسا للحديث في هذا الموضوع.

لقد سبقتني الزميلة فتيحة بوروينة في الكتابة عن هذا اللقاء حيث كتبت في سنة2015  مقالا تحت عنوان “عين المكان/ جوعى.. ومن تحت أقدامهم نقتات !!” جاء فيه:”…في شهر أكتوبر من عام 1996 التقيت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بأحد أكبر فنادق إمارة أبو ظبي، كنت في مهمة لتغطية فعاليات جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري – دورة أحمد مشاري العدواني – ضمن وفد من الشعراء والكتاب من بينهم الزميل عبد الحميد عبدوس، لَمَحْنَا بوتفليقة من بعيد وهو يحتسي فنجان قهوة مع صديق، اقتربنا منه بعدما فرغ، فتعرّف علينا ثم دعانا إلى قهوة فجلسنا إليه واستغرقنا في الحديث إلى أن قادنا ( أي الحديث) إلى الطفرة التي شهدتها الإمارات العربية المتحدة، وأبدى الرئيس آنذاك إعجابا منقطع النظير بالتجربة التنموية بإمارة الشارقة في الجنوب بل وعرض علينا التنقل إلى هناك لإعداد روبورتاجات تحكي قصة تحول “صحراء قاحلة وسهوب رملية إلى واحة خضراء”.

كان انطباعي عن هذا اللقاء هو الشعور بالأسف لكون الجزائر تمتلك إطارات عالية الكفاءة مثل السيد عبد العزيز بوتفليقة، ولكنها لا تستفيد من تجاربهم ومساهمتهم في حل أزمتها المتعددة المستويات والامتدادات بسبب كونهم مبعدين أو لاجئين في عواصم الشرق والغرب. ولم يخطر ببالي، آنذاك، أن  محاوري عبد العزير بوتفليقة سيعود إلى الجزائر بعد ثلاث سنوات من ذلك اللقاء ليحكم الجزائر لمدة عشرين سنة حقق خلالها إنجازات لا تنكر، ولكنه تشبث بالسلطة إلى الحد الذي جعل المطالبة برحيله والوقوف ضد ترشيحه لعهدة رئاسية خامسة يكاد يمثل إجماعا وطنيا وخصوصا، من طرف فئة الشباب الذين ولد الكثير منهم وعاشوا تحت حكم الرئيس بوتفليقة.

عندما عاد الرئيس بوتفليقة إلى الجزائر ليكون مرشح السلطة الفعلية للرئاسة في الجزائر سنة 1999اقترح علي الزميل سليم صالحي مدير جريدة ( العالم السياسي) التي كنت رئيس تحريرها الذهاب إلى فندق (الأوراسي) لطلب إجراء مقابلة صحفية مع بوتفليقة، اعتذرت له بأن إجراء مقابلة صحفية مع السيد بوتفليقة قد يفهم من طرف قراء جريدتنا الحريصة على استقلاليتها بأنه انحياز لمرشح السلطة الفعلية، لم يصر الزميل سليم صالحي على اقتراحه ولكنه ذهب رفقة السيد محمد الشريف عباس وزير المجاهدين الأسبق لزيارة بوتفليقة في فندق الأوراسي حيث كان يستقبل زواره، وبعد عودته من مقابلته السيد بوتفليقة قال لي: ليس هناك شك في أن بوتفليقة سيكون الرئيس المقبل للجزائر، ولكن عدد الانتهازيين الذين رأيتهم يحيطون به يجعلني غير متفائل بالانتخابات المقبلة. واتفقنا على أنه إذا لم يكن بإمكاننا تحويل اتجاه الرياح السياسية، فإنه يمكننا الالتزام بمهمتنا الصحفية بحياد وموضوعية دون انحياز لمرشح من الفرسان السبعة المرشحين للرئاسيات (عبد العزيز بوتفليقة، أحمد طالب الإبراهيمي، عبد الله جاب الله، حسين آيت أحمد، مولود حمروش، مقداد سيفي، يوسف الخطيب)  الذين يعتبرون من أبرز رموز الفكر والنضال السياسي الجزائري.

موقف الحياد الذي اعتمدته الجريدة اتجاه المرشحين الرئاسيين لم يرق لفريق الحملة الانتخابية للمرشح الحر عبد العزيز بوتفليقة، وكانت أكثر الاحتجاجات على التغطية الإعلامية للجريدة للحملة الانتخابية، قبل انسحاب المرشحين الستة من السباق الرئاسي، تأتي من طرف مداومة المرشح الحر عبد العزيز بوتفليقة، وكان المرحوم أحمد حوري مدير خلية الإعلام في المداومة كثيرا ما يتصل بي للاحتجاج على تغطية جريدة (العالم السياسي) وخصوصا على ما كان يكتبه الزميل سعد بوعقبة في عموده الصحفي الشهير بأسلوبه الساخر اللاذع.

كان الرئيس بوتفليقة كثيرا ما يتندر على “الغباء السياسي” لرؤساء الجزائر الذين جاؤوا بعد رحيل الرئيس هواري بومدين ـ رحمه الله ـ وخصوصا على الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد ـ رحمه الله ـ الذي قطع عليه طريق خلافة بومدين، ولكن ذكاءه وحنكته الدبلوماسية لم يعصماه من اقتراف نفس الأخطاء السياسية التي وقع فيها سابقوه والتي نسفت جسور الثقة بين الشعب والسلطة، فهل يعود ذلك إلى فتنة السلطة وحب الرئاسة، أم إلى التأثير السيء للبطانة الفاسدة التي تغير مواقفها بنفس السهولة التي تغير بها جواربها، أم لكلاهما معا؟

مازال الأمل قائما في أن يتخذ الرئيس بوتفليقة مبادرة أخيرة تذكر في سجل محاسنه بأن يتخلى عن خريطة الطريق التي حددها في رسالته المؤرخة في 11مارس 2019 التي تنص على الذهاب إلى ندوة وطنية، وتعديل الدستور ثم انتخاب رئيس جمهورية يقوم الرئيس بوتفليقة بتسليم مهام الرئاسة له، هذا المسار السياسي المقترح رفضه الحراك الشعبي والمعارضة السياسية، ولذلك فإنه يمكن تعويض هذا المسار بقيام الرئيس بوتفليقة قبل نهاية عهدته الرئاسية في 28 أفريل القادم بتقديم استقالته وتفويض مهمة تسيير المرحلة الانتقالية إلى لجنة عقلاء يحظون بثقة الشعب يقومون بمهمة واحدة هي تنظيم انتخابات رئاسية شفافة ونزيهة ذات مصداقية في حماية الجيش الوطني الشعبي في أقرب فرصة ممكنة بعيدا عن مؤثرات التدخل الأجنبي، ثم يتم الاستفتاء على تعديل الدستور والدخول في مسار انتخاب بقية المؤسسات الشرعية للبلاد. لا يبدو لي أنه من المقبول أن تتحول صرخة غضب من شاب” قاع يروحو”  صدرت كاعتراض على تزوير إرادة الشعب من طرف وسيلة إعلامية خليجية إلى خارطة طريق يتبناها كل الحراك الشعبي لحل الأزمة. وليس من المعقول أن نرمي الصبي مع ماء الاستحمام، كما يقول المثل الفرنسي، بحجة أن كل شيء فاسد وأنه يجب الانطلاق من نقطة الصفر، فلا مراء في أنه يوجد من بين الذين خدموا النظام الجزائري في مختلف مراحله رجال ونساء أكفاء ونزهاء، ويوجد في صفوف المعارضة رجال ونساء أكفاء ونزهاء ويوجد في صفوف الحراك الشعبي من الجيل الجديد شباب وشابات ذوو كفاءة ونضج سياسي مثير للإعجاب، ولذلك فإن الحوار الهادف إلى إيصال سفينة الجزائر إلى بر الأمان هو ما يجب أن يكون شغل كل المخلصين من أبناء الجزائر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ملامـــــح الثــقــــافـــة العربيـــة فــي إيطــــاليـــــــا

عز الدين عناية  / شهدت الدراسات العربية في إيطاليا تحوّلات كبرى خلال العقود الأربعة الأخيرة، …