الرئيسية | حديث في السياسة | المأزق.. والحل

المأزق.. والحل

بقلم: التهامي مجوري

 

يتكلم الناس عن أزمة سياسية في الجزائر، ويتكلم آخرون عن مشكلة، ويرى آخرون أن القضية ليست مشكلة ولا أزمة، وإنما هي نتيجة حتمية لمقدمات من المفاسد عاشها المجتمع، وقد حذر من عواقبها عقلاء البلاد منذ بدايات استعادة السيادة الوطنية.

ومهما كان لهذا الرأي أو ذاك من شرعية ومصداقية، فإن القضية لم تبق مجرد أزمة يمكن تجاوزها بسهولة، أو مشكلة يمكن القفز عليها ببساطة، وإنما هي مأزق بأتم معنى الكلمة، صبت فيه جميع قنوات التقصير والأخطاء المتراكمة؛ بل وقنوات الفساد والإفساد، بحيث تحول إلى مشكلة مركبة كما يقول أخونا الأستاذ الدكتور سليم قلالة.

ومن سمات المشكلة المركبة أنها تتحول إلى المأزق، ومن آيات المأزق الظاهرة التعقيج وليس البساطة؛ لأن المشكلاته متعددة، والحلوله المطروحة لمعالجتها متناقضة، ومساحات الرضى والتوافق فيها ضيقة، بحيث يصعب جمع الناس على فكرة واحدة.

فالنظام السياسي الجزائري طلّق الفكر الوحدوي الجامع منذ بداية نشأة الدولة الوطنية، فتحول من نظام ثوري جامع للناس على مشترك وطني قوي وهو الاستقلال، إلى عصبة حاكمة تُخضع لها جميع القوى السياسية والاجتماعية، وتهميش كل مخالف سياسيا كان أو عسكريا..ثم جاءت التعددية السياسية بعد 26 سنة، وعمل النظام -أيضا- على جعل هذه التعددية في إطار توجه واحد على مذهب السلطة، وسمح بإنشاء جمعيا ذات طابع سياسي وليست أحزابا سياسية، ولكن الواقع كان أقوى من تلك التصورات فأنشئت الأحزاب وتجاوزت خيارات السلطة.

وبحكم أن الطبقة السياسية كانت مشحونة بالمنطق العدائي الذي ورثته عن النظام، فتحول العداوة التي كانت بين النظام ومعارضيه إلى عداوات متعددة بين جميع المختلفين سياسيا، بين النظام والمعارضة، وبين أطراف المعارضة فيما بينها، وداخل كل تيار هناك ميولات متنوعة متناحرة. فعُوّمت الساحة بالأحزاب الوطنية والإسلامية واللائكية المتعددة، وقسمت بتقسيمات كثيرة وأهمها تقسيمان:

  1. تقسيم أحزاب السلطة وأحزاب المعارضة.
  2. وتقسيم آخر التيار المحافظ ويشمل الإسلاميين والوطنيين، وتيار علماني ويشمل اللبراليين والفرنكوفيليين والشيوعيين والتيار الثقافي البربري.

والصورة التي أنتجتها التعددية بعد 1988، هي التقاء التيارات في مؤسسات الدولة، في البرلمان وفي الوزارات، أي أصبح هناك احتكاك بينهم، ولكن هذا الاحتكاك بدلا من أن يندمج في مشروع وطني جامع، فتظهر فيه صورة الجزائر النموذج الناجح، ظهر في صورة أخرى وهي صورة السباق نحو استرضاء أرباب النفوذ، والتقاء السلطة والمال في عدد من الأيد محصورة العدد، وتطور الأفكار الشاذة التي تشعر بالظلم والحرمان والغبن، مثل الفكر الانفصالي الذي يحرك منطقة القبائل ويحرضها على ذلك.

وسبب هذا المأزق شاركت جميع الطبقة السياسية، ابتداء من النظام الذي أنشئ مغلقا لا يرضى إلا بالاندماج في دائرته الضيقة المفلقة، بحيث حرم البلاد من الكثير من طاقاتها وإطاراتها من المساهمة في بنائها، ويضاف إلى النظام الطبقة السياسية التي سايرت خط السلطة ورضيت به ولم تعارضه بالقدر الكافي، لاسيما بعد إقرار التعددية، التي فتح فيها المجال لأصحاب الرأي الآخر، ولكن بحكم أن السلطة لم تكن جادة في فتح المحال إيمانا وصدقا، لم تستطع التيارات –إلا القليل- مقاومة توجه السلطة، فذابت جهودها في السعي من أجل المشاركة، مهملة لمشاريعها السياسية التي أنشئت من أجل تحقيقها. والشعب من جهته عندما فقد الثقة في النظام الذي لم يعره اهتماما من البداية، ثم الأحزاب السياسية التي أهملته في برامجها، تحول إلى ممارسة مطالبه بطريقته الخاصة عن طريق التحايل والوسائط والتضامن القبلي والجهوي والشعبي، مستعملا في كل ذلك الوسائل؛ كافرا بكل ما هو سلطة أو معارضة أو قانونا وأعرافا إدارية باعتبارها صادرة عنهما.

فازداد الأمر تعقيدا؛ لأن الظلم الذي كان محصورا في ممارسات النظام وحده، قد عم الجميع، حيث استدرجوا كلهم لممارسة ما يريد النظام؛ لأنه لا يريد أن يبقى وحده هو الظالم المستبد، فدخلت معه التيارات السياسية وأمدت في عمره وعمر مظالمه، ولحق بهم قسم لا بأس به من الشعب، دخولا في المعمعة أو تعبيرا عن سخطه بفعل ما لا يليق انتقاما، وهذا كله غير طبيعي ولا يمكن أن يستمر.

ولذلك وقع انفجار الشارع للتعبير عن هذه الحقيقة المرة، وليس لرفض العهدة الخامسة فحسب كما يتوهم البعض، وإنما للتعبير عن عدم الثقة في الكل، ولذلك لم نلاحظ ترحيبا بالأحزاب السياسية، ولا بالأشخاص الملونين سياسيا، ولا بأي وسيط خوفا من ركوبه الموجة، رغم أن الشعب إذا تحرك، فإنه من الطبيعي جدا أن يبحث له عن قيادات ومرجعيات سياسية أو دينية أو تاريخية، لتقوده وتسعى لتحقيق مطالبه، ولكن ما دام حبل الثقة مقطوع فإنه لا يرغب في أحد…وهذا غير طبيعي، هكذا تحولت المشكلات المتراكمة إلى مأزق.

ولتجاوز المأزق يتطلب جملة من الأمور والسليم بها والخضوع لها والصدق معها كمطلب أساس للخروج من المأزق.

  1. البحث عن قاسم مشترك والانطلاق منه وعلى رأسه الثوابت الوطنية المقررة في مواثيق الدولة الجزائرية.
  2. الإشراف المستقل على عملية الانتقال الديمقراطي بقيادة شخصيات ذات ثقل وطني وشرعية ومصداقية.
  3. تمكين الشعب في ممارسة حقه وواجبه السياسي والمدني، وحماية مكاسبه من أي دخن قد يصيبه من هنا أو هناك.
  4. مرافقة المؤسسة العسكرية للعملية وحمايتها مما يضر بها باسم الإدارة وغيرها من أذرع السلطة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …