الرئيسية | اتجاهات | الربيع العربي في غزة

الربيع العربي في غزة

القضية الفلسطينية

الأستاذ محمد الحسن أكيلال

الربيع العربي في غزة

الانقسام الفلسطيني لصالح من؟

في الوقت الذي ينتظر فيه المتتبعون الخيرون في فلسطين والوطن العربي والعالم أفقا جديدًا للقضية الفلسطينية التي بلغت من التعقيد حدودًا لم تعرفها من قبل منذ ما يربو عن سبعة عقود من الزمن؛ والأخطر في الموضوع أن التعقيد الأخير لم يأت من ممارسات العدو المحتل بقدر ما هو آت من الفصيلين المتنازعين على أرض محتلة بالقوة الغاشمة التي لا قِبَل للطرفين بها والتي تزداد على مر الأيام نموا وتطورا يصل إلى حد ترتيبها ضمن القوى الستة الأولى في العالم.

فصيل “فتح” وهو يمتلك السلطة التي لا سلطة لها في الضفة الغربية بإذعانه لشروط “أوسلو” وتخليه عن السلاح والاكتفاء بجهاز شرطة يضعه التنسيق الأمني مع العدو في خانة حماية دولة الاحتلال.

فصيل “حماس” الذي استطاع افتكاك القوة المسلحة التي وصلت في السنوات الأخيرة إلى مستوى يقترب من توازن الردع مع العدو، لكنه من جهة أخرى وجد نفسه مقيدًا بقيود متينة ثلاثة:

  • قيود العدو الذي فرض الحصار على القطاع ووضعه في مرمى صواريخه وطائراته ومدافعه ودباباته.
  • قيود الأشقاء المصريين الذين يشتركون مع العدو في الحصار بإغلاق معبر “رفح” الوحيد الذي يتنفس به سكان القطاع وكذلك فصيل “حماس”.
  • قيود السلطة الوطنية التي ترى فيه مشاكسا ومناهضا لها بل وخصما لدودًا يريد زحزحتها من قيادة الشعب الفلسطيني والانفراد بالحكم بعد عقود طويلة من الكفاح قبل تأسيس فصيل “حماس”.
  • يمكن إضافة قيد آخر يظهر بمظهر المدعم ماليا وماديا ولكنه لعلاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال تحت الطاولة يصبح ثقله على الفصيل أكثر من ثقل قيدي السلطة والأشقاء المصريين، وهو قيد “قطر”.

المظاهرات في القطاع…أو بداية المتاعب

في الجمعة الماضية تحركت جموع من المواطنين في غزة وقامت بمظاهرة كبيرة تطالب فيها القائمين على شؤونهم بتحسين أوضاعهم المعيشية التي يعرف العالم كله أنها أسوء أوضاع يعيشها بشر على سطح الأرض بسبب الحصار الذي يفرضه العدو عليهم بقوة الحديد والنار.

وسائل الإعلام التي غطت الحدث وصفت قوات حفظ الأمن التابعة لحركة “حماس” بأنه غير مقبول وغير مبرر باعتبار المتظاهرين لهم الحق في التعبير بأية وسيلة يرونها مناسبة، ولقد لوحظ أن ممثل الجبهة الشعبية التي كانت فيما مضى تقف إلى جانب حركة “حماس” في الخلاف بينها وبين السلطة، ومع ذلك كان في تصريحه نقد لاذع لعملية التدخل التي قامت قوات أمن حركة “حماس” لفرض النظام، وفي هذا ما يشتمُّ منه بداية حوار بين الجبهة والسلطة ربما لإظهار نوع من الحياد في الموقف من الخلاف بين الفصيلين، وربما لممارسة نوع من الضغط على حركة “حماس” لتقديم بعض التنازلات للوصول إلى حل للإشكال القائم ومواصلة الحوار والتفاوض لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي بدونها ستبقى القضية حيث هي تواصل التعرض لمزيد من الإخفاقات والانتكاسات وخاصة وأن الأسباب والعوامل كلها تتظافر لمحاصرة موقف حركة “حماس” التي تنتقد السلطة بسبب “أوسلو”، في حين أنها وهي تشارك في أول انتخابات تشريعية فإنها تعتبر موافقة على “أوسلو”، وفي هذا ما يضعف حجتها أمام كثير من المتتبعين للشأن الفلسطيني والمحللين السياسيين المتعاطفين مع القضية.

لـــ “حماس” أن تختار بين قبول شروط السلطة مع بعض التعديلات فيها بضغوط الفصائل الأخرى أو تتحمل لوحدها بقاء الوضع على ما هو عليه وتحمل مسؤولية ما سيأتي.

إنه ليس صدفة أن يجتمع الوفد المصري الأمني المكلف بالتهدئة مع أهم فصيلين من حيث التسليح، وهما حركتا “حماس” و “الجهاد” ثم يسقط صاروخان في “تل أبيب” ليقوم “نتانياهو” بصفته رئيس حكومة ووزير الدفاع بقصف أكثر من مئة موقع في قطاع غزة، رغم إعلان كل من “حماس” و “الجهاد” عن عدم قيامهما بإطلاق الصاروخين وتأكيد الوفد المصري لذلك، لكن “نتانياهو” وهو مقبل على الانتخابات التشريعية ويريد الفوز فيها بعهدة أخرى لابد له من افتعال عملية كهذه ليبدو في نظر شعبه وفي نظر اليمين المتطرف الذي يدعمه بأنه الرجل الأصلح لهم في هذه المرحلة.

حركة “حماس” التي تضعها الولايات المتحدة في قائمة المنظمات الإرهابية ومعها كل الدول العربية الخليجية والمرتبطة بالعدو باتفاقيتين لسلام وبعض الدول الأخرى القريبة منها مصلحيا وعقائديا، بل حتى السلطة الوطنية رغم إعلانها أن “حماس” حركة مقاومة وطنية ولكنها تحت الغطاء تهمس بأنها إرهابية، هذه الحركة عليها ولو تكتيكيا أن تقدم على خطوات من شأنها إزالة الغموض عن موقفها من السلطة باعتبارها حاليا تحتكر التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني على الصعيد الدولي.

فإما أن تعلن صراحة بأنها تتنصل من حركة الإخوان المسلمين العالمية وتنظم إلى حركة الجهاد وأنها واحدة من فصائل حركة التحرير الفلسطينية، وإما أن تعلن بوضوح عدم مشاركتها في الانتخابات باعتبارها لا تعترف بنهج “أوسلو” الذي منح السلطة للسلطة، يعني صفة الدولة ولو شكليا لتريح نفسها من طلب سلطة لا سلطة لها مثلها مثل “فتح”.

هل هو الربيع العربي في غزة؟

إن الحيثيات، كل الحيثيات المتعلقة بالقضية الفلسطينية عامة وقطاع غزة خاصة، ابتداء من الاجتماع الذي عقده الرئيس الفرنسي “ماكرون” منذ أسبوعين مع المجلس اليهودي الفرنسي، والخطاب الذي ألقاه أمام الحضور والذي أكد فيه رفضه بل ومحاربته لأعداء السامية متجاهلا كل الساميين الآخرين من غير اليهود الصهاينة. كان يمكن لــــ “ماكرون” أن يكون أكثر شجاعة وجرأة ويعلن صراحة تأييده للحركة الصهيونية ومن ضمنها الحكومة اليمينية المتطرفة العنصرية في دولة الاحتلال لفلسطين، وإلاّ فكيف يفهم إحجامه على عقد مؤتمر دولي حول السلام في الشرق الأوسط بعد أن أعلن عنه سلفه “فرانسوا هولاند”، بل وأين التوجه الديغولي في العلاقات مع العالم العربي حين كان في عز إجماع حكامه على الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة، رغم أن “ديغول” هو الذي مكن العدو الصهيوني من امتلاك القنابل النووية التي بها يفرض التفوق العسكري على كل الدول العربية بل ويمنح لهذا العدو سلاح الردع الذي تمنع كل الدول العربية من امتلاكه.

المظاهرات في قطاع غزة لا شك قد كان وراءها توجيها وتدبيرًا وترتيبا وتحريضا من كان يقوم بهذه العملية منذ 2011 ضد كل الدولة العربية الأخرى، لأن قطاع غزة على ظروفه وأوضاعه المعروفة يشكل فعلا تهديدًا للعدو المحتل بما يمتلكه من سلاح قرب توازن الرعب بين الطرفين لأن الصواريخ التي أصبحت تصل إلى كل المدن المحتلة ستجعل اليهود الساكنين فيها يفكرون فعلا في إعداد الحقائب للهروب إلى أوطانهم الأصلية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رفـــــع الـمـــــــلام عن الإسلاميــــــين

عبد العزيز كحيل/ الاسلاميون هم انصار المشروع الإسلامي، دعاة، مصلحون، سياسيون، علماء، شرائح اجتماعية متعددة …