الرئيسية | شعاع | على خطى الحراك… الحاجة إلى مرافقة راشدة لحراك تاريخي/ حسن خليفة

على خطى الحراك… الحاجة إلى مرافقة راشدة لحراك تاريخي/ حسن خليفة

استوقفتني بعض جمل للأستاذ الدكتور عزي عبد الرحمن أحد الطيور الجزائرية المهاجرة المتخصصة في مجال علوم الإعلام والاتصال، في كتابه الثمين الجدير بالدراسة والموسوم بـ”منهجية الحتمية القيمية في الإعلام” الصادر عن (الدار المتوسطية للنشرـ تونس)، وهو أحد كتبه النافعة في مجال الإعلام والاتصال والخطاب؛ مما يستوجب من نخبتنا العالمة وطلبة العلم المتخصصين الاستفادة والانتفاع منها جميعا لأهميتها في صناعة الخطاب الإعلامي والدعوي في المرحلة الحاضرة من مسار مجتمعاتنا العربية الإسلامية خاصة.

وحيث إننا في ظرف دقيق وحرج ومتشابك ومتعدد المداخل في سياق هذا التحوّل الكبير في مجتمعنا، فإنني أحب التوقف عند بعض المحاور في إشارات غير عابرة، داعيا إلى أهمية تجديد وسائل الخطاب ومضامينه، والاستفادة ـقدر المستطاع ـ من الممكنات القائمة، في سياق هذه الحركية المجتمعية الطيبة.

ـ المحورالأول: هو أهمية العناية بالمحمول المعرفي فيما يُسوّق ويُطرح من خطاب: ـكلام،كتابةـ شعارات ـ وسائل تعبير متعددة… فقد كثر الكلام وتعددت مصادره معروفة وغير معروفة… ولكن الملاحظ هو غياب المحمول المعرفي في كثير من الكلام، ونعني بالمحمول المعرفي خاصة ما يتعلق بتأكيد الرأسمال الرمزي لهذه الحركية المجتمعية في عمومها ويتعلق الأمر هنا بمسألة غاية في الأهيمة وهي “القيم”… نعم يأتي في مقام الصدارة القيم، فلا محيص من تعزيز فضاء القيم، بالتأكيد عليها والتنبيه إلى ما هو موجود منها في نسيج الحراك، ومنها الكثير من القيّم الرفيعة: كالمحبة، والانسجام، والأخوة، والتواصل الإيجابي بين مختلف الشرائح الاجتماعية، والتقدير المتبادل، والاستيعاب الإنساني لبعضنا، وغيرها من القيم الاجتماعية والدينية والإنسانية التي عكستها الصور والمشاهد والفيديوهات الكثيرة التي سجلت المسيرات ورافقتها ووثقتها… إن الحرص على تمثّل تلك القيم والتأكيد عليها وقراءتها قراءة إيجابية تضمن الاستفادة منها؛ فهي بمثابة الإسمنت المسلح للانسجام الاجتماعي الحاضر، والبناء عليها في المستقبل في سياق صياغة وبناء مجتمع جديد ودولة جديدة بتيسير الله تعالى. ولا يخفى أن أهم ما تحرص عليه المجتمعات والدول في قيادتها للتحولات الكبيرة هو ذلك الانسجام والتناغم بين الأفراد، فهو معين قويّ على شق طريق التغيير الآمن نحو أهدافه الكبيرة، بالحد الأدنى من الأضرار والمهالك. وعليه وجب أن يكون التركيز فيما يُكتب ويُذاع ويقال على هذا الرأسمال الكبير الجميل من القيم التي تمّ استدعاؤها من مخزون كان ـإلى وقت قريب ـ غائبا في حسابات الخبراء والمحللين؛ حيث كان الميل الكبير إلى اعتبار المجتمع “ميتا” أو على أقل تقدير هامد لا فائدة منه، بالأخص ما يتعلق بفئات الشباب… وها قد ظهر خطأ ذلك التصوّر وتلك القناعات، فوجب بالتالي التركيز على هذا الجانب المهم لإضفاء مزيد من القوّة والمكانة والقيمة لمجتمعنا الحيّ النابض الخيّر، ولا يعني ذلك أنه يخلو من عيوب ومقابح ومساويء، ولذلك دوره في المعالجات المستقبلية.

المحور الثاني: في المقام الثاني  يلحظ المتابع غياب التوجيه الناضج واقتراح الحلول الواقعية الممكنة في شكل مخارج تحافظ على المكتسبات وتضيف إليها مكتسبات جديدة، دونما انحراف عن طبيعة الحراك السلمية الحضارية المنسجمة الشاملة، بل وبما يحقق طموح أبناء وبنات الشعب في حياة حقيقية كريمة قويمة، في بيئة اجتماعية ـ إنسانية مستقيمة صالحة، وهو مطلب تمّ التأكيد عليه بكثير من العزم والصراحة والقوة.

إنّ استصحاب ثقافة التوجيه وأقلّه تقديم المقترحات الواقعية كمخارج للأزمة المركبة المتعددة الأوجه، لهو أمر غاية في الأهمية؛ لأنه يطمئن ويقدم حلولا نظرية يمكن فهمها واستيعابها، ويوضح حقائق الأمور للناس، فالحيرة والارتباك والبحث عن الحلول من طبيعة الإنسان عندما يجد نفسه في مثل هذه الأوضاع والسياقات. وقد وجب حينئذ وجوبا تاما أن تسارع النخبة العالمة تحديدا، والنخبة المجرّبة والعاملة إلى تقديم تصوّرات تخفّف من غلوا ء الحيرة وتهديء من روع النفوس، وتبذل الفكر والعصف الذهني في سبيل حلول مرتبة منظمة، مسنودة بالقوانين، والسّنن، ووقائع التاريخ فيما حدث في مجتمعات إنسانية أخرى .وسيقود ذلك إلى تلمّس مسارات الخروج بعقول حاضرة،ونفوس هادئة، وتحقيق ما يشبه الإجماع، كما سيكون ذلك ردّا على كل متربص يعمل على بثّ الفرقة وتعميق الإشكالات وإبعاد الحلول، وإغراق المسار في دوامات مظلمة لا مخرج منها.

المحور الثالث: ما يلاحظ أيضا في هذه الحركية المجتمعية الثمينة النقص الفادح في إبلاغ خطابها ومحدداته وغاياته وترجمتها إلى مفردات سياسية واجتماعية، في شكل صيغ وخطط وبرامج للتطبيق، وأيضا إيجاد الطرق المؤثرة  التي تجبر الطرف الآخر على تحقيق المطلوب دون أدنى تأخير، وإنما يتم ذلك بتبنّي النخبة لنتائج الحراك، بعد بلورتها بشكل منهجي دقيق، وإيصالها وطرحها بطريقة لا تحتمل ُ إلا الإجابة الصريحة الواضحة عنها.

هذه المسائل كلها تأتي أساسا من النخبة العالمة التي يُفترض أن ترافق الحراك، خطوة بخطوة،وتغذيه بالعلم والمعرفة، وتثقفه وتعينه على تبيّن الحلول، وتدفعه إلى اجتهاد عقلي ونفسي، وتحمي رصيده وأهدافه وتحرص على إنفاذ مراده،ولعلّ ذلك يُستدرك فيما يأتي من الوقت ،دون أن ننسى ـبطبيعة الحال ـ في هذا المقام وفي كل مقام يد الله الخفية اللطيفة فهو خير حافظا وهو أرحم الراحمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

في وجوب نصرة العربية تصوّر ومقترحات عملية …/حسن خليفة

  عطفا على المقال السابق الخاص بوجوب نُصرة اللغة العربية والذي أتصوّر أنه واجب من …