الرئيسية | وراء الأحداث | الشهداء يعودون هذا الأسبوع !/ أ. عبد الحميد عبدس

الشهداء يعودون هذا الأسبوع !/ أ. عبد الحميد عبدس

استسمح روح الأديب الجزائري الكبير الراحل الطاهر وطار في أن أستعير عنوان قصته التي صدرت سنة 1984 ضمن المجموعة القصصية الشهيرة ” الشهداء يعودون هذا الأسبوع ” والقصة تدور حول محاكمة رمزية للواقع الكسيح والفاسد من خلال عودة خيالية للشهداء الذين ضحوا بأغلى ما يملكون لتحرير الجزائر من الاحتلال والقهر الاستغلال، وإعادة الحرية والكرامة للشعب.

استحضار عنوان هذه القصة يأتي للتعبير عن مغزى تلك المسيرة الجبارة لأبناء الشعب الجزائري يوم الجمعة الماضي (15 مارس) التي  عبر فيها الشعب الجزائري وخاصة فئته الشبابية عن استعادة الكرامة والشجاعة وروح التحدي والتمرد على القهر، وكل الخصال المعروفة عن الشعب الجزائري طوال فترات تاريخه، حيث لو قدر للشهداء أن يطلعوا على ما يجري في الشارع الجزائري من حراك الكرامة لاطمأنت أرواحهم الزكية على أن تضحياتهم لم تذهب سدى وأن أولادهم وأحفادهم مازالوا يحافظون على الأمانة، وأن انتفاضتهم اليوم لا تختلف في كثير من الجوانب عن انتفاضة أبناء الشعب الجزائري في 11 ديسمبر 1960 التي كانت خطوة حاسمة للوصول إلى يوم النصر في 19 مارس 1962.كما قد تكون انتفاضة اليوم خطوة حاسمة لبناء جزائر جديدة خالية من الفساد والاستبداد والمحسوبية والجهوية والنهب والرداءة. واستحضار رمزية الثورة الجزائرية في الحراك الشعبي كانت واضحة من خلال مشاركة بعض رموز الثورة في المسيرات على غرار البطلتين جميلة بوحيرد، وزهرة ظريف بيطاط، والمجاهد لخضر بورقعة، والسيدة ظريفة بن مهيدي شقيقة الشهيد العربي بن مهيدي.

مسيرة الجمعة الرابعة من مسيرات الحراك الشعبي وجهت رسالة واضحة تدل بلا غموض على أن خطب السلطة وحيلها المتلاحقة لم تفلح في إسكات صوت الشعب أو دفعه إلى التنازل عن مطالبه التي رفعها منذ إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن تقديم ملف ترشحه للفوز بعهدة رئاسية خامسة.

لقد فضلت السلطة السياسية أن تواجه المطالب الشعبية المتجددة بخطاب قديم عن طريق وجوه قديمة فاقدة للمصداقية ومنتهية الصلاحية السياسية، ولعل التجديد الوحيد في الخطاب الحكومي هو إسقاط كلمة ” فخامة ” عند الحديث عن الرئيس حيث كانت هذه  عبارة ” فخامة السيد رئيس الجمهورية” من ثوابت الخطاب الحكومي  عند الحديث عن السيد عبد العزيز بوتفليقة وكل ما يتعلق به.

كان من قبيل استفزاز المتظاهرين اختيار وجه قديم مثل الأخضر الإبراهيمي لتسويق خطاب السلطة لترضية المتظاهرين، لأن الأخضر الإبراهيمي هو رجل بلغ من الكبر عتيا، وهو أكبر سنا من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولكن الأخضر الإبراهيمي الذي تجاوز العقد الثامن من عمره لا يبدو أنه مقتنع بقول الشاعر:” من يعش ثمانين حولا لا أبا لك يسأم”، فهو لم يسأم بعد تكاليف الحياة، ولا يرفض أن يتحمل مسؤولية ترؤس الندوة الوطنية التي يدندن النظام حولها كمخرج  للأزمة السياسية التي توحلت فيها الجزائر.

أما الوزير الأول نور الدين بدوي المعين حديثا خلفا لأحمد أويحيى المقال والذي نال النصيب الأوفر من رفض الشعب وسخطه، حتى قال المتظاهرون عبارتهم الشهيرة “بالسلمية طردنا أويحيى” ونائب الوزير الأول رمطان العمامرة اللذان رفضا في ندوتهما الصحفية التي عقدت صباح الخميس 14 مارس تقديم الإجابات الشافية عن أسئلة الصحافيين وعن مطالب الشعب فكانت عملية المراوغة السياسية التي حاولا تمريرها قبل يوم واحد من مسيرة الجمعة أشبه بمحاولة إطفاء الحريق بسائل البنزين. وكانت الندوة الصحفية بمثابة تحفيز المتظاهرين لتصعيد حراكهم السلمي ضد بقاء النظام بكل رموزه. واللافت للانتباه أن خطاب السلطة السياسية قد تطور في اتجاه سلبي  من طلب عهدة رئاسية انتقالية لمدة سنة واحدة في إطار الشرعية الدستورية إلى طلب تمديد لعهدة رئاسية لمدة سنة خارج إطار الدستور من خلال تأجيل الانتخابات دون اللجوء إلى العمل في إطار المادة 107 التي تتيح تأجيل الانتخابات في حالة الاستثناء، وفي المقابل تطور خطاب المؤسسة العسكرية على لسان أعلى مسؤول فيها الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، بخصوص تصاعد الحراك الشعبي في اتجاه إيجابي من التحذير إلى التطمين إلى التعاطف.

رمطان العمامرة اعتبر بعد تنصيبه نائبا للوزير الأول، قرارات الرئيس بوتفليقة حول تمديد عهدته الرئاسية خارج الشرعية الدستورية في تصريح لإذاعة فرنسا الدولية:”أهم نقطة تحول  منذ استقلال الجزائر”، ومن جهته اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرار بوتفليقة أنه “يفتح صفحة جديدة للديمقراطية في الجزائر”. كما حيى قرار بوتفليقة بعدم الترشح لعهدة خامسة ودعا لمرحلة انتقالية “بمهلة معقولة” وهو ما أثار غضب الشارع الجزائري الذي طلب فرنسا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر مصرا على أن ما يحدث في الجزائر هو خلاف داخلي بين أبناء الوطن الواحد ووصل الأمر إلى حد إمطار قصر الإليزي بالمكالمات الهاتفية التي وجهت للرئيس ماكرون لمطالبته  باحترام استقلال الجزائر وشعبها.

لقد اعتبر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أن الجزائر تـمُرُّ بمرحلة حساسة من تاريخها وهي نفس العبارة التي كررها الوزير الأول الجديد نور الدين بدوي في ندوته الصحفية وهذا ما يتطلب من الجميع الارتقاء إلى مستوى خطورة وحساسية اللحظة والاستجابة لمطالب الشعب قبل أن تنزلق الأمور بما يصعب تداركه وحينها لا ينفع الندم.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

رغم حملات الرفض والحقد، جامع الجزائر الأعظم مشروع القرن الذي تجسد!

عبد الجميد عبدوس / منذ الإعلان عن فتح أظرفة عروض الشركات المتنافسة في مناقصة الفوز …

تعليق واحد

  1. السؤال الذي بات يقلقني هو
    من يحكمنا نحن الجزائريين؟