الرئيسية | أعلام | مقالات | الفكرة والوثن/ أ .د. ليلى محمد بلخير

الفكرة والوثن/ أ .د. ليلى محمد بلخير

خرج شعب الجزائري إلى الشارع للتعبير السلمي عن إرادة شعبية ، تنشد التغيير وبناء جزائر جديدة فيها قيم العدالة والمواطنة والحرية والانسانية، و يرغب بعضهم لسوء نيته أو لقلة خبرته، في إ بعاد الحراك عن أي وسم  للدين، ولكن هذا لا يمكن بأي حال افراغه من محتواه العقدي، لأن غياب الفكرة يعلي من الوثن ويجعل الصور السلبية التي كانت السبب في الثورة تعود بكل الأشكال، ما هي الأسباب المؤججة لمشاعر الغضب عند كل فئات الشعب؟ هو سيادة منظومة الغش والزيف وهيمنتها على مناحي الحياة الطابع التراكمي للفساد والانتشار الصفيق لمعالمه، ولد انهيار الثقة بين الشعب والنظام، الأمر الذي صنع الانهيار الكبير والتدفق البشري خارج المنظومة، في ملحمة فريدة من نوعها وأعظم من كل الملحمات في العالم برمته، لا يمكن أن يكون الدين بمعزل عن يقظة الشعب بل هي من صنعه وتحت رايته.

عندما نعود أدراجنا لنتـأمل حادثة المطرقة، نجد صورتين بارزتين، صورة الطالب (السفيه)وهو في كامل قواه العقلية، يحطم رأس من يحمل العلم والحصانة ويسكته بطرقة قاضية، وهي مأساة تعبر عن جيل الميوعة والتوحش وتشظي القيم؟ لأنّ الوثن تطاول على الفكرة وتصدر المركز وصال وجال في كل الأرجاء من المدرسة إلى الجامعة ومن السوق إلى المستشفى وفي التلفزيون والصحف وفي البيت والشارع، وهكذا يحضر الوثن عندما تبتعد الفكرة الأصيلة، الوثن مثل الجراد يأكل الأخضر واليابس والخبيث والطيب، إلا الأوفياء للفكرة الأصلية، لأن صراعهم مع الجراد سنة وثباتهم من أعظم السنن، ومرة أخرى تعود المطرقة في يد مجنون يحطم تمثال عين الفوارة هذا الأخير الذي تحول من صنميته الجامدة وتحفز للجعجعة بلا طحين، وكان له حق الحماية وحق السفوروحق البقاء، وكان لصوته (رغم أنه من رخام )دويا كبيرا، قال مالك بن نبي -رحمه الله “هذا هوالمظهر الجديد للمشكلة حين أخلت الفكرة مكانها للوثن ” مشكلة الأفكار ص 101، ومن المؤكد أن فعل المطرقة المتكرر سواء من عاقل على مجانين، أو من مجنون على عقلاء، يعد في هذا الزمن لغة جديدة معترف بها لا يحق أن نتنكر لها لجهلنا بها، فعل المطرقة المتواصل يعري ضعف وهشاشة ما نحمل من أفكار وقيم من جهة، ويلفت النظرل وقاحة وتوحش العري المستبد في كل مكان.

إننا في زمن يحتفل بالوثن ويعلى من مقامه، وتهمش الفكرة الأصل، تؤرشف في ملفات صقيلة للمناسبات الدينية والوطنية، أو تحنط لتودع في المتحف، ومن أجل ذلك نهضت ألف مطرقة ومطرقة تساهم في تهشيم معالم الحضارة هنا وهناك، وبلا صوت أو نقطة دم كالقتل بالإهمال والنسيان، كيف لجامع بعث الربيع الأخضر لجزائر العلم والإيمان أن تنتزع جدرانه وتتعرى أركانه؟ من لجامع جمع أمة تحت ظلاله تربية وسجودا أن يصير قبرا ومناحة على طلل تليد؟ ويا حزني على قلعة بني حماد، أيقونة الحضنة تتآكل وتذوب تنتظر الموت الرحيم، وهي شامخة عصماء. وتكبر المأساة بتركيز سياسة التجهيل، وغياب المعنى من طلب العلم والتعمية والتدليس، من سقوط الطائرة إلى سقوط كلّ أشكال الوثن. لا بد من حماية المنجز الأصيل من الحراك الشعبي، يقولون لا للتأطير الديني ويجعلونها ذريعة لإبعاد الفكرة واحتضان الوثن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

انزياحات الهوية في الفكر السياسي لفرحات عباس (1899-1985) 01

بعد مرور أكثر من نصف قرن على تأسيس الدولة الوطنية، غداة استرجاع السيادة الوطنية سنة …