الرئيسية | في رحاب الشريعة | قضايا الأمة بين أمانة الشهداء وواجب الشهود/ محمد مكركب

قضايا الأمة بين أمانة الشهداء وواجب الشهود/ محمد مكركب

ما من قطر من أقطار العالم الإسلامي عموما، والعالم العربي خصوصا، إلا وكل شجر فيه أو حجر أو رمل من صحرائه أو مدر، يشهد أن صالحا مصلحا أو بطلا مجاهدا مر من هناك فكان الأثر قطرة مداد أو قطرة دم أو حبة عرق ماثلة في رواية علم أو صفحة كتاب، أو طلل يحكي أزمنة غابرة وسالفات معلقة في الذاكرة، كما أن هذه الأقطار التي صارت لعبة بيد من يجهلون كنوز تاريخها وقيمة مجدها، كانت المجال المكاني والزماني لبناء أكبر أمة في التاريخ بأشرف رسالة سماوية على الإطلاق، وعواصم هذه الأقطار، أي عواصم هذه الربوع الزكية والأقاليم المشرفة بالقرآن والسنة النبوية، هي مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وبيت المقدس المطهرة. فما الذي يقع في هذه الأقطار في القرن الخامس عشر الهجري والقرن الواحد والعشرين الميلادي؟ حتى نطرح هذا التساؤل:( كيف هي قضايا الأمة بين أمانة الشهداء وواجب الشهود؟) من أمانة الشهداء من عصر الصحابة وإلى اليوم: قضية المسجد الأقصى، وهدف القضية أن تظل بيت المقدس عاصمة إسلامية للعالم الإسلامي، ومن ثم قضية تحرير فلسطين من الكفر والشرك والفساد. ومن قضايا الأمة: وحدة الشعوب الإسلامية والتعاون القائم على أركان السياسة الشرعية النبوية. ومن قضايا الأمة استرجاع الوحدة أو الاتحاد في صورة عصرية حضارية قائمة على أصولها وثوابتها ومقاصدها في كامل عزة الأخوة الإيمانية. ومن قضايا الأمة الخروج من التخلف والمهانة التقنية والاقتصادية. ومن قضايا الأمة عودة السيادة العلمية لأمة اقرأ. ثم من القضايا التي هي غاية ووسيلة في نفس الوقت، هي قضية الجواب عن هذا السؤال: إلى متى والسياسات الحاكمة في نفور وتباعد عن منطق الإيمان وأحكام الشريعة، وإلى متى والانفصام بين العلماء ورجال السلطة السياسية، إلى متى والحكومات والشعوب والعلماء في خلافاتهم واختلافاتهم؟ مثل القائل:( ضحكت المسلوخة على المذبوحة والمقطعة شرقت من ضحكها على خيبتها).

هذه الأسئلة موجهة للشهود على العصر  خصوصا في العقود الخمسة من 1390هـ إلى 1440هـ الموافق لـ: 1970م إلى 2020م. إن منطق التاريخ يقتضي أن كل العلماء والحُكَّام مطالبون بالشهادة على أحداث عصرهم، وجيل عصرهم، وقضايا عصرهم، وأن يبينوا للتاريخ نفسه ما الذي قاموا نحو أمتهم بم خدموها ووقفوا معها؟ هل قالوا كلمة حق بكل عدل وصدق؟ هل أمروا بالمعروف؟ وهل نهوا عن المنكر والبغي والظلم والاستبداد أم لاذوا بالصمت وسكتوا عن الفوضى والفساد؟ نعم، إن التاريخ يسجل إما لك، وإما عليك،﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾[الحجر:91/93]  سيحاسب الّذين اقتسموا القرآنَ فآمنوا ببعضه الذي وافقَ ما عندهم، وكفروا ببعضٍ، وهو ما خالف هواهم ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:6].

1 ـ القضية المطروحة الأولى في هذا المقال بعد الإشارات السابقة: قضية الشعوب المعذبة بسبب الفوضى السياسية في مجال العلاقات الدولية بين الشعوب الإسلامية، والتي انعكس مرضها على السياسة الداخلية لكل شعب. والمسئولية على عاتق العلماء والأمراء معا، فوجب على كل عالم أن يشهد ويقول كلمته بصدق وإخلاص بقصد الحلول والإصلاح والبناء، كما يجب على كل حاكم أن يعلن بوضوح ليتضح النقد الحكيم من الزعم والتعميم، والسؤال للعالِمِ والحاكِمِ: هل الوضعية الواقعية للأمة الإسلامية هل هي في مسارها الصحيح؟ وهل سياسة التكتلات الإقليمية والتدابرية بين بعض الشعوب ضد شعوب أخرى، هل هي طبيعية ولا بأس بالسكوت عليها ودوامها؟ وهل التبعية لغير المسلمين لشرق أو لغرب أو لشمال، هل هي قدر محتوم ولا بديل عنه؟ وهل التخلف الاقتصادي نتيجة عجز مادي ونقص في القدرات أم أنه قصد ذاتي سياسي؟ لا يعقل أبدا أن تظل أوضاع المسلمين مسبة وعارا يُتهم بها الإسلامُ والمسلمون. إن الشعوب الإسلامية غنية بشبابها ومواردها وترابها وعلمائها فما هو سبب اندساسها في برك التخلف ومستنقعات الفساد؟ ولعل سِرَّ اللُّغزَ السياسي في حكمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه[ لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها].

قال محاوري: ها أنت تدعو العلماء والحكام ليشهدوا ويقولوا كلمتهم بصدق عن حال وأوضاع الأمة فهل هذا المقال هو واجبك في الشهادة؟ قلت لمحاوري: ما أظن أنك لم تسمع بكتابي[سياسة الائتلاف لإقامة وحدة الشعوب] الطبعة الثانية (376 صفحة) كله بيان وتصريح وشهادة وتوضيح، لأقول اللهم فاشهد. وفي مقدمة الطبعة الأولى الملحقة بالكتاب قلت:” هذه رسالة سياسة الائتلاف رسالة نصح وتذكير لمن يقولون لله ولرسوله سمعنا وأطعنا، ورسالة تنبيه وتحذير لمن لا يزالون مصرين على التفرق والتمزق والشعوب التي مازالت في صراع ونزاع، والذين لم يفقهوا روح الوحدة الإسلامية،…إن حل كل مشكل سياسي أو اجتماعي، أو ثقافي أو اقتصادي بين أهل قرية أو بين أبناء شعب أو بين الحكام والمحكومين أو بين دول لا يكون بالمقاطعة والعداوة والسب والشتم والتفرق إلى طوائف وأحزاب…إن المنطق الحق يقول: لا يقبل أن تظل النزاعات بين أبناء الشعب الواحد أو بين أبناء شعبين أو أكثر… إن المستمرين في تكريس الصراعات كأنما يضربون أنفسهم بأيديهم” (ص:7 ـ 11.) والذي قرأ الكتاب واتبع الصواب أسأل الله أن يجعلني وإياه من أولي الألباب الذين جاء وصفهم بعد قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ إلى قوله تعالى:﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:23/24].

2 ـ القضية المطروحة الثانية هي التساؤل: لحساب منْ ضياعُ شبابِ الأمة الإسلامية؟: بين البطالة والموت البطيء، والحرقة والمغامرات، وبين التطرف والحرابة والصعلكة، وبين هجرة النخبة المثقفة إلى الخارج هروبا من الفوضى والاعوجاج؟ من المسئول عن هذه الأوضاع؟ من المسئول عن مصير الشباب ومنه مصير الأمة، ومستقبل الأمة؟ لاشك أن في الأمة مفكرين وحكماء هم شهود على هذا العصر، متى يشهدون بما علموا؟ على واقع الأمة، لتكون شهادتهم بالحق إيقاظا للغافلين ونصيحة للمؤمنين، وهمسة حب للمتقين، وجرس إنذار للنائمين، وعصا تحريك للجامدين.

قضية ضياع أو تضييع شباب الأمة الإسلامية من بين أكبر وأعظم القضايا السياسية الدعوية في هذا العصر، وإذا لم يلتفت العلماء والحكام إليها بكل جد وحكمة وإخلاص فإن مستقبل الأمة في خطر، ومصير كثير من الشعوب الإسلامية سيكون على شفا حفرة من الهلاك الذي حذر منه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وصمت المستشارين جريمة أو الشهادة المزورة أجرم. يروى أن ابن شهاب دخل على الخليفة سليمان بن عبد الملك، فقال سلميان يا ابن شهاب ما حديث يرويه أهل الشام؟ قال: ما هو؟ قال يقولون: إن الله تعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات ولم يكتب عليه السيئات!! قال كذبوا يا أمير المؤمنين. أيهما أقرب إلى الله الأنبياء أم الخلفاء؟ قال بل الأنبياء. قال أشهب: فإن الله تعالى قال لنبيه داود:﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾[ص:26].

أي: يا داود قم بالحق وبالعدل الذي به قامت السماوات والأرض، لا تظلم الناس حقوقهم، ولا تدع البغي بينهم، أحسن للمحسن منهم، وعاقب المسيء منهم، خذ الحق من الظالم، وأعد للمظلوم حقه حتى يرضاه وتقر عينه، أدب الظالم حتى يرتدع أمثاله من الظلمة، وليكن حكمك بينهم بالحق الذي أوحاه الله لك. فقال سليمان لما سمع الآية:”إن الناس ليغروننا عن ديننا”؟! وكم من الأمراء يغرهم مستشاروهم والبطانة التي تحيط بهم؟

3 ـ قضية التربية والتعليم في البلدان الإسلامية عامة والبلدان العربية خاصة: مازال إلى الآن كثير من المناهج التربوية مريضة أو مغشوشة بالغزو الثقافي الاستدماري لِخُلُوِّهَا من القيم الإيمانية وأحكام الشريعة الإسلامية، وأكبر غش تهميش أو على الأصح محاربة وتغريب لغة القرآن من مناهج التعليم والإدارة، والدعوة إلى غيرها وفي الدعوة إلى الفرنسة أو الأنجلزة أو غيرها تلك دعوة إلى الرضا بالتخلف والانحطاط، إذْ أن الشعوب الإسلامية لن تستطيع أن تبني حضارة معاصرة تتفوق بها على غيرها في العلم والاقتصاد والصناعة وحتى التفوق الدفاعي العسكري والأمني إلا بإصلاح التربية والتعليم، ولن تنجح تربية ولا تعليم بغير لغة التربية والتعليم وهي لغة القرآن، وقضية التجاوزات في إصلاح التربية والتعليم دخلت لعبة السياسة العالمية التميعية الإباحية من وراء خيال مكذوب يسمونه العولمة، وتلك العولمة بمثابة سياسة الثعابين مع الضفادع. وأما العولمة الإنسانية الحقة فهي عولمة الإسلام ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ قال العالم الشيخ رابح الهلالي (ولد:1918م بقرية تزمالت تيزي وزو. الجزائر. وتوفي 2003م بالعاصمة وهو من معلمي وعلماء جمعية العلماء) قال في شأن التربية:”أجمع الباحثون في أحوال العمران وقوانين المدنية على أن التربية والتعليم هما السبيل الوحيد في ارتقاء الأمم على منصات الحضارة… فإذا أسندت شؤون التعليم إلى غير أهل الكفاءة من أعداء دينها فلا تلبث أن يلم بمزاج مجموعها ما يضعفه وينمي جراثيم الداء فيه، فتظهر أعراضه عليه فتصبح في حضيض خسران الدنيا والآخرة…” (من كتابه: منهاج الدعاة.ص:56).

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …