الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | محنة ابن رشد/ محمد الصالح الصديق

محنة ابن رشد/ محمد الصالح الصديق

زارني في بيتي جمع من الطالبة الجامعيين بمناسبة عيد الفطر، وكان من بينهم طالب مغرم بحب أعلام الفكر الإسلامي والغربي، وتتبع آثارهم ومواقعهم، فسألني عن اضطهاد الفيلسوف ابن رشد، ورغب في كلمة وجيزة عنه تنير جوانبه ولو كانت مقتضبة.

فقلت للطالب: إن إيجاز محنته أخشى أن يخل بحقيقتها، ولكن –رغم ذلك- لابد من الإيجاز، لأن موعدا التزمت به كان ينتظرني خارج البيت، هو مالك أمرنا، فقلت له:

لما توفي عبد المؤمن حاكم دولة الموحدين خلفه يوسف، وكان من أعماله أنه قرب ابن طفيل إليه، فقدم إليه ابن رشد فارتفع شأنه عند الأمير يوسف وتولى قضاء إيشبيليا سنة 565هـ إلى سنة 567هـ، ولما تولى يعقوب المنصور بعد ذلك رفع ابن رشد، ولكن في آخر الأمر وشوا به إليه، ونسبوا له أمورا دينية وأخرى سياسية، وقالوا إنه يجحد القرآن ويعرض بالخلافة، فجمع المنصور فقهاء قرطبة وقرأوا كتب ابن رشد، ثم قر الأمر أن ينفي ابن رشد إلى أيسانة وهي قرية قريبة من قرطبة، وكتب منشورا للأمة بإنشاء كاتبه عبد المالك بن عياش لمنع الفلسفة، وهذا بعض ما جاء فيه:

“قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحر الأوهام، وأقرهم عوامهم بشغوف عليهم في الأفهام حيث لا داعي يدعو إلى الحي القيوم، لا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفا ما لها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، يؤمنون أن العقل ميزانها والحق برهانها” إلى أن يقول:”فاحذروا -وفقكم الله- هذه الشرذمة على الإيمان، حذركم من السموم السارية على الأبدان، ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآله” [تفسير طنطاوي جوهري، ج7، ص184].

وممن نكب في هذا مع ابن رشد محمد بن إبراهيم قاضي بجاية، وكتب المنصور يأمر الناس بإحراق الكتب سوى الطب والحساب والمواقيت، مع أنه كان يدرس تلك الكتب في السر ويُخفي أمره، وقد ابتهج بهذه النكبة حساد ابن رشد فتنافسوا بالشعر في التنديد به والتشهير، ولم تدم المحنة لأن المنصور عفا عنه، وعن سائر الجماعة ولم يعش بعد العفو إلا سنة واحدة وتوفي بمراكش سنة 595هـ وعمره 75 سنة رحمه الله.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …