الرئيسية | على بصيرة | وزلزلت الجزائر زلزالها/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

وزلزلت الجزائر زلزالها/ أ.د. عبد الرزاق قسوم

شعبنا الجزائري الأبي، هذا المارد الجبار، وقد تحرر من كل العوائق النفسية، وتجاوز ضربات المطارق الوهمية، هاهو يُخرج للناس أثقاله، وينشر على العالم آلامه وآماله.

يُلقي شعبنا الجزائري على الجميع درسه:

أن حذار! فقد بلغ السيل الزُّبى، وعم الفساد الوهاد والرُّبى، خرج الشعب الجزائري بكل أثقاله، شيباً وشباباً نساء ورجالاً، ليُملي إرادته، ويستعيد سيادته، ويغير قيادته.

لم تعد القضية، قضية العهدة الخامسة فحسب، بل تجاوزها إلى كل أسباب الفساد الذي عم البلاد، بسبب بعض العباد، فطالب ويطالب بالتغيير، وتجديد المصير، وصحوة الضمير، وإعادة البناء والتعمير.

قال الشعب الجزائري، وبالفم المليان، لا لكل الأسباب التي أدت إلى هذا التردي، ويجب مواجهة التحدي، والتعدي بكل التعبئة والتصدي.

لا للعهدة الخامسة، التي تعبر عن حالة يائسة، ولا للطريقة التي تدار بها البلاد، لأنها هي سبب كل هذا الفساد، ولا لاحتكار السلطة، فقد أدت إلى ما تعانيه جماهيرنا من الإحباط و”القنطة”.

نريد أن يسمع الجميع، درس الشعب فيخلّصوا البلاد من النهب، والسلب والكرب؛ ويفكوا الارتباط بكل الاتفاقيات التي يكبلنا بها الغرب.

لقد تكالبت على وطننا كل أنواع العدوان، فأحدثت في صفوفه هذا الغليان والشنآن، فالعبث بخيراته ومقدراته أصبح هو البارز من العنوان، وتشويه ذاته ومعالم حضارته، صار قاعدة من قواعد التكوين في منظوماته، وما هذا العنف الأعمى الذي يستبد بشبابنا وكهولنا، إلا نتيجة فاسدة، لمقدمات فاسدة.

لقد خط لنا شعبنا طريق النجاة والخلاص مما نحن فيه..والبداية تكون من كسر القيد الذي نعانيه، وإعطاء الحكم لمستحقيه، وإشاعة الحريات في اختيار قادة الشعب ومسؤوليه.

لنفتح الأمل أمام الطاقات الشاردة، ونمكن من العمل كل المواهب الشبانية الجامدة، ونغلق العقول والأبواب أمام التيارات العدوانية الغربية الوافدة.

كل شيء في منظوماتنا؛ السياسية، والاقتصادية، والثقافية، والإعلامية، مدعو إلى الإصلاح والتغيير. فقد أثبتت طرق الممارسة الفشل والتخدير، وأدت إلى المنكر والنكير، وليس كالتجديد والتغيير على جميع المستويات، وفي كل الميادين، أنجع سبيل لتحرير المبادرات وتصحيح السير والمسير.

ورب ضارة نافعة، فهذا الإضراب أو الإطراب الذي خرج به شعبنا بمختلف أطيافه الشبانية، والطلابية، والثقافية، والإعلامية، هو الذي أيقظنا من سباتنا الثقيل، وحدد لنا طريق الخروج من النفق المظلم الطويل.

إن الجزائر زُلزلت زلزالها، وهي اليوم تُخرج أثقالها، وتُحدّث أخبارها، بأن ربك أوحى لها. وقد فهم درس الجزائر الدقيق والعميق، الفلاح في حقله، والطفل رغم صغر عقله، كما أدركه الطالب في مدرجه ومخبره، والصانع في معمله ومصنعه، ولكن جهله أو تصامم عن سماعه المسؤول في ديوانه، وصومعته.

لقد تبين – في الجزائر- الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وبان الصبح لكل ذي عقل وذي عينين، فلم تعد تجدي المكابرة، ولا المغامرة.

إن الوعي الذي تحلى به الشعب الجزائري في حراكه، والتحضر الذي طبع سلوكه في عراكه، والسلمية التي ميزته في إدراكه لتجعلنا نطمئن على مستقبل الجزائر إن تحلى الجميع، حاكما ومحكوما بروح المواطنة، وتخلى الجميع عن سياسة المراوغة، والمداهنة.

إن الطريق الوطني السيّار، أضحى واضح المعالم، جلي المطالب بالأسلوب السلس والمسالم.

يجب البدء بالاستماع إلى الشعب ومعاناته وأنينه ومطالبه، ورفع مظالمه سياسية كانت أو اجماعية أو ثقافية.

ويجب رفع القيود عن العملية الانتخابية وتخليصها مما شابها من دخن التزوير والتقديم والتأخير، وتمكين القائمين عليها بحرية المبادرة، والبعد عن المقامرة، بمصير القيادة، أو المغامرة.

كما يجب صيانة الدستور من كل تعديل أو تحوير إلا بالاستفتاء الشعبي الحر النبيل، وإسناد المسؤولية في عملية التغيير للكفاءات التي لا تدين بالولاء إلا لله، ولمبادئ الشهداء، والعلماء والنزهاء.

إن الجزائر اليوم، قد وُضعت على المحك، وإنه لامتحان عسير، لكل ذي عقل وضمير، فإما أن نثبت للعالم أننا نستحق بجدارة لقب بلد المليون والنصف مليون شهيد، فنقدم للجميع درسا في حسن التعامل مع الأزمات، ونعلو عن التعصب، والضيق من الولاءات وإما –لا قدر الله- أن نسقط كما سقط أشقاء لنا من قبل في مستنقع الدسائس والمؤامرات.

إن ثقتنا المطلقة في قدرات شعبنا وكفاءات جماهيرنا، من أننا سوف نفوت الفرصة على المتربصين بنا سواء من داخل أو خارج وطننا لكبيرة.

إن إعطاء الكلمة للشعب من أجل التعبير عن إرادته في اختيار قيادته، وأسلوب المحافظة على كرامته وسيادته لهو المفتاح السحري للخروج من الباب الكبير.

فاشهدي يا جزائر، أننا نصحنا، ورفعنا صوتنا، وأذّنا بأقلامنا ودعواتنا، وليس لنا من مأرب، أو هدف –يعلم الله- إلا النهوض بالجزائر من كبوتها، وإنقاذها من أزمتها، والمضي بها نحو الاتجاه الصحيح لقبلتها ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [سورة البقرة، الآية 137].

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

واحة عين صالح، بين الغاز الصخري والأمن الفكري

أ. د. عبد الرزاق قسوم يمَّمَتْ صفوة من رجال الفكر الجزائري، والعربي الإسلامي، نحو واحة …