الرئيسية | حديث في السياسة | قداسة الوقف وإرادة الشعب/ التهامي مجوري

قداسة الوقف وإرادة الشعب/ التهامي مجوري

في يومي الجمعة الماضية والتي قبلها، خرج المصلون من بعض المساجد أثناء خطبة الجمعة، وانصرفوا عن الإمام وصلوا الجمعة ظهرا؛ بل سمعت من قال لم استطع سماع الخطبة فشغلت نفسي بالذكر والدعاء، بسبب ما كانوا يسمعون من كلام في الخطبة من تحذيرات ووعيد، لا يصب في وعاء رسالة المنبر وقداسته، وتوجيهاته الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر.

والسبب في ذلك كما لا يخفى، هو عزم الشعب على الخروج إلى الشارع في يومي 22 و1 مارس 2019. وخروج الشعب إلى الشارع، لا يعني بالضرورة الفساد والإخلال بالأمن والتآمر الخارجي  والإفساد والتكسير..إلخ، وإنما هو تعبير شعبي بحس وطني على انحرافات كبيرة وقعت في المجتمع ومؤسساته، سببها الإدارة أولا، تحدد مستقبله بشظف العيش وقسوة الحياة؛ بل ربما تهدده بالزوال –لا قدر الله-.

والشعب عندما يثور أو ينزل إلى الشارع، لا ينبغي أن يقف المنبر في وجهه، وإنما واجبه التوجيه والتسديد والتحذير من الإنزلاقات  والانحرافات، مع الإقرار بالحق في إظهار الغضب، أما خيار النزول والثورة والإنكار فلا ينبغي أن يوقف في وجهه؛ بل على الأئمة وقادة الرأي أن يوجهوا هذا الخيار ويسددوه؛ لأنه نابع عن إرادة شعبية في الغالب لا تجتمع على الضلال.

على أن الشعوب لا تتحرك من فراغ، وإنما تتحرك عندما تتراكم المظالم وتكثر ويعم الفساد، بحيث يصبح الشعب نفسه على هامش الدولة والسلطة، فلا يشعر أنها تمثله في شيء، بل يشعر بها متآمرة عليه، فلا يحس بالاستعداد لطاعتها أو الخضوع لها؛ لأنها بمجموع تصرفاتها لا تصب في وعاء الصالح العام خدمته.

وعندما يعم هذا الشعور سواد المجتمع، فإن أول طريق يسلكه هو التمرد، وهذا التمرد لا يظهر دفعة واحدة، وإنما يظهر وينمو شيئا فشيئا.. فيظهر في صورة التحايل على القانون، وفي صورة سب ولعن المسؤولين، وفي صورة الغضب العام، التمرد عن كل ما هو رسمي، بحيث يصبح العرف والعادات والعلاقات الشخصية والعائلية هي المعتمدة في تسيير شؤون الحياة.

وهذه السلوكات من المفروض أنها تلفت انتباه المسؤول.. ولكن عندما ينشغل المسؤول عن ذلك بصراعاته العُصَبية والفئوية والجهوية في السلطة على المواقع والأموال وإرضاء النافذين، فإن الشعب لا يتوقف طموحه، فبعضه يلجأ إلى المغامرات: إلى الهجرة غير الشرعية، وإلى سلوك الطرق الموصلة للأموال ومواقع النفوذ وإلى العلاقات المشبوهة؛ لأنه يرى في ذلك صورة من صور الانتقام من النظام وإنقاذ الذات من الفناء المتوقع، والخروج من الورطة التي وضعه فيها النظام، أما سواد الأمة فإنه يلجأ إلى التعبير عن إرادته بالنزول إلى الشارع، ليُسْمع الصم وينبه الغفلة ويوقظ النائمين علهم يعرفون ما يريد!!

وهنا –عندما ينزل الشعب إلى الشارع- تشرّع الأبواب على كل الاحتمالات، فيركب الانتهازيون الموجة، وتتدخل المخابرات الدولية بطرقها المتنوعة والمختلفة، وتوظف هذا النزول القوى المتناحرة داخل السلطة؛ لأن الشعوب تتحرك مطالبة بحقها بجميع أبعاده، وهي في نفس الوقت لم تخلق مؤهلة لقيادة نفسها، وإنما تحتاج دائما إلى القيادة الراشدة تقودها لتحقيق المطالب التي تريد.

وهنا يبرز دور النخبة والمجتمع المدني ومنهم الأئمة وأرباب المنابر من جهة، ودور العقلاء من رجال السلطة وغيرهم من أعيان البلاد ومرشديها من جهة أخرى، لا ليركبوا الموجة فيحولونها عن مسارها المطلبي الشرعي، وإنما لتصحيح المسار السياسي والإجتماعي الذي نخره الفساد، ولم يبق في الساحة الوطنية ما يعول عليه؛ بل إن المجتمع كاد ييأس من واقع لا يراه مخلفا بعده إلا الخراب.

شبه أخونا الأستاذ الدكتور سليم قلالة هذا الواقع بلعبة التكترونية. ينطلق فيها قطاران، اتجاه كل منهما معاكس للآخر، قطار السلطة في اتجاه وقطار الشعب في اتجاه معاكس، فالاجتماعات الواردة هي أن يستمر القطاران إلى أن يصلا إلى الاصطدام!! هذا احتمال رقم واحد، وهذا اخطر الاحتمالات. والاحتمال الثاني أن تنسحب السلطة ويستمر الشعب!! وهذا لا يمكن؛ لأن طبيعة السلطة، أنها لا تخضع بسهولة، والشعب أيضا لا يمكن أن يستمر في الفراغ وإنما يحتاج إلى من يحي محل السلطة على فرض انسحابها. والاحتمال الثالث، أن الشعب هو الذي يتراجع!! وهذا مستبعد أيضا؛ لأنه لو تراجع يمكننا أن نتساءل لماذا نزل إلى الشارع؟ هل نزل ليتراجع؟ فهذه الاحتمالات أو السيناريوهات كما يقال مستبعدة ابتداء؛ لعدم وجود مبرراتها الموضوعية، وإنما هناك سيناريو وهو الذي يظهر دائما في الأزمات، وهو ظهور كتلة العقلاء، الذين يشعرون بواجب البحث عن الحلول والتسديد والمقاربة، من أجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي المهدد بالانفجار، ومن ناحية ثانية لتحقيق بعض ما يهدف إليه الشعب وهو الاصلاح السياسي والاجتماعي.

لا شك أن النخبة المؤهلة لذلك ليست هي النخب التي حذرت الشعب من النزول إلى الشارع ورهبته؛ لأنها اصطفت ضده من البداية، وليست هي النخب القاعدة عن القيام بالواجب، وانتهزت فرصة الحراك لتسجل الحضور الذي لم تفعله في الأوضاع الطبيعية، وليست نخب النظام الحريصة على استمرار النظام السياسي المغلق، وإنما هي النخب العاملة والمناضلة من أجل خدمة المجتمع، خدمة جادة ترى آثارها في الواقع الاجتماعي، في الأسر والشباب والمؤسسات والمعاناة من مظالم السلطة ومفسديها، ليس بمجرد المعارضة السياسية، ولا بالموالاة وحدها، وإنما بالحرص على الجزائر وموقعها بين الشعوب، وبخدمتها للشعب الجزائري بكل ما يصلحه ويرقيه إلى الأفضل والأحسن، وقبل كل ذلك وبعده، بالثقة في الشعب واحترام خياراته السياسية والاجتماعية؛ لأن الشعب سيد على نفسه، ولا يحق لأحد أن يتقمص سيادته عليه إلا بالقدر الذي يخدمه في دينه ودنياه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …