الرئيسية | قضايا و آراء | ماذا بعد؟! التفكير خارج الصندوق!(2)/ علي حليتيم

ماذا بعد؟! التفكير خارج الصندوق!(2)/ علي حليتيم

كيف يمكن أن نفكر – في مسألة التغيير – من الداخل؟

فرق بين التفكير في التغيير  من الداخل  والتفكير فيه من الخارج!

قد يكون التفكير من الخارج مفيدا في بعض الأحيان  من جهة أنه يفكك المسألة بعقل بارد بعيدا عن العاطفة الجياشة و يأخذ بعين الاعتبار السياق والمسار والمآل و موازين القوى والتجارب السابقة ، لكنه تفكير نظري في الغالب يعتمد قوة الأنظمة والمحيط الدولي والنظام العالمي القائم على هيمنة الغرب و النظام النيوكولونيالي معالم أساسية في التحليل ، ولا يشمل في الغالب المعالم الظرفية ولا يكترث لقواعد الاجتماع السياسي التي تنظر إلى الثورات على أساس أنها ظواهر لها ديناميكيتها الخاصة ولا يمكن للتفكير النظري توجيهها  بل الذي يوجهها هو القيادات  الميدانية ذات المصداقية  والكلمة المسموعة  التي تتحكم في الجماهير وتسطر معها التاريخ.

والذين يفكرون من الخارج لا يأخذون عادة في عين الاعتبار الجوانب القيمية والإنسانية غير المادية من التغيير والتي كانت دوما هي المحرك العظيم لكل حركات التغيير في التاريخ. إن الأفكار تحيا بقدر الإيمان بها الذي هو الروح التي تبعث في القوة المادية الحياة وتجعلها تنتصر أو تغادرها فتقودها نحو الموت والفناء.

‏لقد أفل عهد الثورات الكبيرة التي كانت تقتل في سبيل تأسيسها الملايين دون أن يعترض أحد وهو  ما حدث في الماضي القريب مع الثورة الفرنسية والثورة البلشفية وفي الحرب الأهلية الأمريكية وغيرها.

‏وها نحن اليوم نشهد تحولات عميقة في مسارات الثورات حيث غدا اليوم مطلوبا من الثوار أن يكونوا دبلوماسيين أكثر من ما يجب ، وأن يفكروا في مصير خصومهم مثلما يفكرون في مصير ثورتهم، وأن يفكروا في الخارج الذي هو في الأصل عدو لهم حتى يطمئن ويجبر وا خاطره، ويحاولوا أن يقنعوه أن الثورة ‏لن تبلغ بأهدافها إلى نتيجتها التي يخشى وغايتها التي لا يريد . والأعجب من ذلك أن الثورات الحديثة في العالم الإسلامي أصبحت لا تفصح علنا بهدفها ولم تعد ترغب أن تفصح عن مبادئها ‏وقيمها الحقيقية لان لا احد في الداخل او في الخارج يريد أن تنتصر تلكالقيم.

لكن هل تبدل الصورة يعني تبدل القوانين الاجتماعية ‏للتغيير ؟

هل يمكن أن نغير دون قوانين؟

أظن أن قوانين التغيير الاجتماعي نواميس كونية لا يمكن أن تتغير  كما لا يمكن أن تتغير قوانين التفاعلات الكيميائية!

قد يتغيّر الديكور، ولكن الديكور وليس جزء من القانون.

إن التفكير من الداخل لا يمنع الذكاء ‏ولا يمنع التخطيط ولا يمنع الدراسة ولا يمنع المرحلية ولا يمنع الحكمة والتعقل، ولا يمنع التنازل عن بعض المواقع من أجل أهداف استراتيجية أهم من تلك المواقع كتحسين الصورة وأخذ النفس أو إقناع المحايدين …. الخ‏ولكن لا يجوز لنا مع ذلك التنازل عن المبادئ أو سلوك سبل السلام المتخاذل الذي يريده الخصم وهو السلام الذي لا يغير شيئا.

إن سلام الثوار هو السلام الذي ينأى  بهم عن العنف والسلاح، ‏لكن السلامة لن تمنع أبدا قول الحقيقة وفضح الباطل والتزييف وكسر حاجز الخوف والصمود ولو بأيد فارغة للعدوان.

‏إن الذي يعيش التغيير من الداخل يعلم أنه يبدأ بمجموعة أحاسيس وأفكار  تؤلف بين الأفراد الذين ينخرطون في هذا التغيير.

‏إيمان وحدس وأحاسيس وآمال وأوجاع ودموع وخوف ولا أحد يضمن النتيجة .

هذه هي مسيرة التغيير وهذا هو ما لا يفهمه الذين يفكرون من خارج الصندوق .

قد يطلب من رواد التغيير أن يتسلحوا  بالذكاء ، وقد يطلب منهم أن يمارسوا النقد والتمحيص والحكمة التي تمنعهم من رمي حركاتهم من الطابق الخامس ‏أو السادس، لكن لا أحد من المؤرخين والمفكرين قال إن الثورات تنتصر في اليوم الأول. لقد رزحت أوروبا قرونا طويلة تحت نير الاقطاع وجبروت المَلَكية وكهنوت الكنيسة حتى قامت الثورة في إنجلترا وفرنسا من وقت ليس ببعيد.

‏لقد بدأ دعوة محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم بفرد واحد ثم بلغت بعد 13 سنة بضع عشرات من الأشخاص وها هي اليوم تقارب مليارين من المؤمنين.

‏إن التغيير ماض إلى غايته لا محالة، وعلى رواده أن يفكروا مليا في الحفاظ عليه: على رسالته وأخلاقه وحمايته من الانحراف والتزييف والاختطاف ‏حتى لا يستدعي هو نفسه ثورة أخرى تغيّر التغيير وتصحح التحريف.

لن تضل أمة تؤمن بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ولن تتقاتل أمة نزفت مائتي ألف مرة بالأمس القريب، ولن يكون سهلا على أي أمة أخرى أن تقدم عن نفسها مثلما قدم الشعب الجزائري تلك اللوحة الرائعة التي جمعت بين الماضي والحلم، والدين والحداثة، والقوة والعزيمة ، والوعي والتصميم والسلام.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

متنفَّس عبرَ القضبان

بقلم: المحامي حسن عبادي بدأت مشواري التواصلي مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون؛ زرت …