الرئيسية | اتجاهات | العالم… إلى أين؟ الانسحاب الأمريكي…أم حرب المواقع/ محمد الحسن أكيلال

العالم… إلى أين؟ الانسحاب الأمريكي…أم حرب المواقع/ محمد الحسن أكيلال

 

منذ ما يربو على خمس سنوات، بل منذ حوادث الثورة البرتقالية في أوكرانيا والصراع الخفي بين أمريكا بمعية الحلف الأطلسي وروسيا مدعمة من الصين الشعبية وإيران يتصاعد ويتطور معلنا عن بداية جديدة للصراع القديم الذي انتهى بين القوتين الأعظم في بداية تسعينيات القرن الماضي بتفكك الاتحاد السوفياتي.

ما يجري على امتداد خارطة أوراسيا ينبئ بتطورات للأوضاع تحمل في طياتها أخطارا محدقة بالمنطقة والعالم أجمع.

التجارب المريرة التي عرفتها الولايات المتحدة الأمريكية خلال فترة الخمسينيات إلى سبعينيات القرن الماضي بتدخلاتها العسكرية في كل من الهند الصينية والشرق الأوسط الذي امتدت فيه هذه التدخلات إلى يومنا هذا، فبالإضافة إلى الخسائر البشرية المعتبرة التي تكبدتها والتي دفعت بالشعب الأمريكي إلى إعلان رفضه لها من خلال المظاهرات الصاخبة في أغلب المدن الأمريكية وخاصة حول حرب الفيتنام، فإن تدهور الأوضاع الاقتصادية إلى حد تشكيل أزمة حادة قاربت مثيلتها في عام 1929، كل هذا جعل الإدارة الأمريكية في حالة ارتباك واضحة أفقدت حتى الرؤساء السابقين لترمب السيطرة والقدرة على التركيز في اتخاذ القرارات الاقتصادية دون الأخذ بعين الاعتبار التكاليف الباهظة للتدخلات العسكرية أو زيادة ميزانية الدفاع والبحث العلمي والتكنولوجي الذي من شأنه الابقاء على التفوق على الخصمين اللدودين روسيا الاتحادية والصين الشعبية، وحماية كيان الدولة الصهيونية في فلسطين .

الرئيس الحالي “ترمب” التاجر ورجل الأعمال وجد نفسه مرغما على اتخاذ بوصلة أخرى غير تلك التي صنعت للبلاد منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، لقد تأكد أن الانفاق العسكري على الأساطيل والجيوش الموزعة على كثير من مناطق العالم سيستنزف الخزينة ويضعف إمكانية تصحيح أساليب وآليات تسيير الاقتصادي للوصول به إلى الوضع النهائي الكامل من الأزمة الهيكلية التي وقع فيها.

الارتباك واضح وأكيد في تصرفات “ترمب” حين أعلن صفقة القرن ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس الشريف التي أعلن أنها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل، كان يعتقد أن دولا كثيرة تشاطره الرأي والقرار وخاصة الدول الحليفة في أوربا وكان مطمئنا لوعود قادة دول الخليج العربي وكثيرا من الدول العربية التي أخبره عنها ”نتانياهو”.

الأكيد أنه لم يدرك العلاقة بين سوريا وفلسطين وبين ما يحدث في سوريا وفلسطين بالنسبة إليه تواجد الكثير من القوات الأمريكية في المنطقة التي هي فيها فقط للقيام بدور في تمثيلية يعرف في قرارة نفسه أنه لا مبرر له لأن من يسمونهم إرهابيي داعش هم من تجنيد بلاده وحلفائها من العرب المسلمين ولهدف واحد هو القضاء على النظام السوري الذي يقف حجر عثرة في تنفيذ المخطط الأمريكي الصهيوني المتمثل في قبول الشعب الفلسطيني والشعوب المجاورة بالأمر الواقع الإسرائيلي في فلسطين وباقي الأراضي التي تنوي دولة إسرائيل احتلالها وشرعنة ذلك الاحتلال كالجولان وأجزاء من جنوب لبنان وهذا لا يتأتى دون تقسيم سوريا والعراق وربما الأردن والسعودية نفسها.

بالنسبة لترمب يمكن للقوات الجوية الأمريكية المتواجدة على متون حاملات الطائرات في الأساطيل البحرية المتواجدة في البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي القيام بالمهمة ولذلك يمكن سحب قوات من منطقة ”أدلب” السورية والاكتفاء فيها بعدد قليل منها كقوة مراقبة، وباقي القوات تتراجع إلى العراق التي لم يعلن بعد عن تاريخ الانسحاب منها لأن العراق أقنعه وزيره للدفاع بضرورة الإبقاء على القواعد فيها البالغة 45 قاعدة لتقف أمام القوات الإيرانية عند الحاجة إلى ذلك.

بالنسبة للصقور المحيطين بالرئيس وهم نائب الرئيس ووزير الدفاع والمستشار للأمن القومي يضعون تصريحات رئيسهم ترمب موضع تحركات تكتيكية في تغيير المواقع لمواجهة التمدد الروسي الإيراني في سوريا والمناطق المجاورة، هذه التحركات التكتيكية المتزامنة مع قرار تثبيت قواعد للصواريخ الباليستية المتوسطة والقصيرة المدى في سوريا كتتمة للسلسلة التي ثبتت في مناطق أوربا الشرقية ثم الإعلان عن تجميد العمل باتفاقية ” سالت2” الخاصة بهذه الصواريخ والموقعة بين الدولتين الأمريكية والروسية في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي وهذا بهدف استفزاز القيادة الروسية وجرها إلى سباق للتسلح لاستنزافها ماليا. هذا من جهة ومن جهة أخرى زيادة الضغط على إيران للدفع بها إلى القيام بعملية عسكرية تكون سببا للقيام بهجوم جوي محدود عليها لتدمير محطاتها النووية وقواعد تصنيع صواريخها الباليستية، وهذه وجهة نظر نتانياهو وحكومته الأمنية المصغرة ”كابينيت”.

بوتين المسكون بالعزم على الثأر والانتقام لبلاده، والذي نشأ وترعرع في دهاليز (الـ كـ.ج.ب.KGB) حين قرر استعادة أمجاد بلاده أعد لكل شيء عدته وخطط بكل الدقة المطلوبة آخذا بعين الاعتبار كل التوقعات والاحتمالات، ولذلك لم يدع فرصة البحبوحة المالية في فترة ارتفاع سعر النفط العشرية الأولى من القرن الحالي تمر دون استغلالها الاستغلال الأمثل ورصد المبالغ اللازمة للبحث العلمي والتكنولوجي واستدراك الضائع من الوقت في سباق التسلح مع الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه لم ينس أن أخطر القواعد العسكرية الأمريكية هي فلسطين المحتلة التي هي جزأ لا يتجزأ من سوريا الكبرى، لم ينس أن الدول المتاخمة لبحر قزوين بما فيها جمهورية إيران الإسلامية وجمهورية تركيا التي عادت في عهد ”أوردغان” إلى دينها الحنيف وبدأت فعلا تتخلص من العلمانية التي وضعتها في حضن حلف شمال الأطلسي مرتبطة بدولة الكيان الصهيوني.

لقد سارع منذ الوهلة الأولى إلى استعادة شبه جزيرة القرم من أوكرانيا المتمردة وبعدها بفترة قصيرة فعل التحالف الاستراتيجي مع النظام السوري المهدد بالسقوط لينشئ القاعدة العسكرية في حميمين شمال سوريا بالتوازي مع كل هذا استعاد دفء العلاقات مع الصين الشعبية ليشكل معها ومع كوريا الشمالية بداية حلف جديد في شرق آسيا.

كل المواقع بالنسبة لروسيا مدروسة ولذلك بدأت أمريكا تراجع خطط التموقع بدورها ولكن في عهد الرئيس ترمب الذي أصبحت أخطاءه بادية للعيان وأصبح محل انتقاد حتى من أقرب المقربين إليه في بلاده وداخل حزبه.

مأساة فلسطين السلبية في الدول العربية المجاورة التي يقودها ملوك ورؤساء يريدون اللعب في الوقت بدل الضائع ولم ينتبهوا للتحولات العميقة والسريعة التي تحدث حواليهم بل ربما عمالتهم وخيانتهم جعلتهم يرهنون أوطانهم وعروشهم لأمريكا وحلفائهم  ومن بينهم الكيان الصهيوني نظير حماية مزعومة ستنتهي بمجرد تأكد دولة إسرائيل من تحقيق أهدافها في المنطقة.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

سؤالك: عرب نحن أم أمازيغ؟ هو ضلال وزيغ…/ أ. محمد العلمي السائحي

  عاد الجدل ليحتدم حول القضية الأمازيغية في الجزائر من جديد، وكأن الفصل فيها يرتكز …