الرئيسية | أقلام القراء | الإنسان بين حيرة العقل وطمأنينة الوحي/ مصطفى العبودي

الإنسان بين حيرة العقل وطمأنينة الوحي/ مصطفى العبودي

أ- الإنسان وحيرة العقل:

يتميز الإنسان عن غيره من المخلوقات بأداة الإدراك التي من خلالها استطاع أن يفكك الكثير مما يعتبر في حينه ألغازا محيرة، هذه الأداة تسمى العقل، فبحسن استعمالها يتجاوز المصاعب والمتاعب. لكن ما أصل هذه الأداة وما هي بالضبط؟ طبعا لا يمكننا الإجابة الدقيقة عن السؤال، فنحن نتعامل مع ما نعتبره في حكم المسلمات، ننطلق منها في توضيح ما يراد توضيحه. لقد أصبح من المتفق عليه والواقع يجعله كذلك أن العقل أداة الفهم وتعينه الحواس المعروفة على تلقي أو تبليغ ما يراد تلقيه أو تبليغه.

يدعي الداروينيون القائلون بنظرية النشوء والارتقاء أن الدماغ البشري هو نتاج للتطور التدريجي، وجاء نتيجة التكيف مع الظروف المتغيرة على مدى مئات الملايين من السنين..لكن مع التطور المذهل للعلوم في مختلف المجالات، خصوصا الدراسات المتعلقة بالخلية جعلتهم يصطدمون بالبرمجة الوراثية التي أقلبت النظرة رأسا على عقب.

إذا نظرنا إلى الدماغ القطعة الصغيرة حوالي1 كلغ، والمؤلفة من خلايا خاصة، وتقوم بأعمال بحسب قول العلماء يعجز عنها “كومبيوتر” بحجم الكرة الأرضية، لا يمكن أن تنتظم أجزاؤه المعقدة المتشابكة لتقوم بالأدوار التي أنجزها العقل الإنساني عبر آلاف السنين هكذا صدفة، هذا العقل الذي يحاول الإنسان نفسه من خلاله أن ينتهي إلى ما قد يعتبر نوع خلق لإنسان ما؟ !، ومهما توصل هذا العقل إلى (خلق) ما يمكن (خلقه) فلن يتجاوز الإنسان نفسه، لأن (الخالق) من صفاته ألا يكون عاجزا عن تدمير ما (يخلق)، ففي عالم الروبوتيزم سار المشتغلون بذلك أشواطا بعيدة، لكن يبقى عقل الإنسان (الطبيعي) مهما أدخلت عليه من أدوات تعلي من قدراته هو الأصل.

معلوم في تصنيف الكائنات أنها أصناف ثلاثة: الجماد – النبات – الحيوان. والإنسان الكائن المتميز، يلحق في التصنيف بالحيوان. لكننا مهما ألحقناه بالحيوان في الجانب الفيزيولوجي على الخصوص فقد بقي تميزه قائما، وسيبقى إلى أن تقوم الساعة لمن يؤمن بقيام الساعة، أو يتوصل إلى سر الخلود لمن يؤمن بالتطور العلمي الذي جعل من الخيال حقائق، وحينها ماذا سيفعل الإنسان مع الذين ماتوا ومع الذين أصبحوا من الخالدين، وهم على الصفات التي بقيت ملازمة للإنسان من تسلط وجبروت وظلم وغرائز لا تنتهي مطالبها، منها الإفناء والإبادة كما هو الشأن في الأسلحة الذرية الفتاكة، وكيف سيواجه عقبات فناء الشموس والنجوم، ومن ثم الحياة على هذه الأرض؟!! هذه الأسئلة تقض مضاجع الملحدين، وأما المؤمنون بالعالم الآخر فإنهم يعلمون أمورا أخرى، سترد معنا حين نعرض للإنسان من خلال الوحي.

إن الكائن الذي ينتقل من مكان إلى آخر هو وحده الذي يحتاج الدماغ، فالكائن الحي الذي يبقى ثابتا في مكان واحد يستجيب بشكل آلي إلى التغييرات التي تحدث في بيئته، إلا أنه لا يكون بحاجة إلى توجيه حركاته، فالنباتات تمتلك غالبا ردود فعل معقدة – مثل إدارة أوراقها بمواجهة الشمس – لكنها لا تحتاج إلى أن تتحرك، وهي لذلك لا تمتلك دماغا، أما الإنسان فهو يتحرك… لكن حقيقة دماغ العقل البشري لا ينحصر في دور الحركة، فالحيوان أيضا يمتلك دماغا وهو يتحرك.. لكن دماغ الحيوان لم يمكنه من الانتقال من وظيفة الصيد وفي محيطه الذي يعيش فيه، وهذه الأخيرة مهمة جدا. أما دماغ الإنسان فقد مكنه من الانتقال من الصيد ولو بحجم زائد عن صيد الحيوان، وبوسائل مبتكرة صناعية وليست طبعية.. إلى الزراعة ليوفر غذاء متطورا تدخل فيه صنعه الإنسان، ومن ثم مزج بين الصيد والزراعة ليربط بينهما بثالث وهي الصناعة.. ليصب الكل في التجارة التي صارت اليوم طريقا للحروب المدمرة…ومن الصيد كذلك إلى الرسم كما نَبَّهَ على ذلك علي عزت بيجوفيتش المفكر المسلم البوسني..ليعبر عن أشواقه وتطلعاته في عالم المشاعر.. ولينتقل كذلك وعن طريق الدماغ من المغارة إلى الكوخ (البناء)، ومن الإشارة إلى الكلام، ومن الكلام إلى الكتابة، ومن الكتابة إلى البحث (العلمي)، من خلال ما يحيط به من قريب أو من بعيد، حتى انتهى إلى البحث فيما وراء الطبيعة..المعبر عنه بالميتافيزيقا..وهذا لم يبدأ مع اليونان، فحتى المنتصرون للفلسفة اليونانية يقرون بأن التفلسف الذي هو محاولة للكشف عن المجهول، من خلال طرح تساؤلات والإجابة عنها، قديم قدم الإنسان. وإن كان تطورُ كُلِّ ذلك قد حدث عبر أزمنة تعتبر في عرف الإنسان (التكنولوجي) طويلة. وبحث هذا الإنسان عن ملاذ يلجأ إليه في الملمات (معبود) يتجه إليه بالدعاء ليدفع عنه المكروه، فعبد القريب كالشجر والحجر، وعبد الظواهر الطبيعية كالريح والمطر، وعبد الكواكب البعيدة كالشمس والزهرة..وعبد الأبطال الذين جعلهم مرتبة بين الإله والإنسان..وكان الدين مرافقا للإنسان.. فلقد ذهب علماء الاجتماع إلى أنه لم يوجد تجمع بشري قديم خال من دين يتخذ من خلاله كائنا ما معبودا. لكن أوجست كونت بإلحاده ذهب إلى أن ذلك مرحلة من مراحل الإنسان، وهو في مرحلة الضعف، وأن المرحلة الوضعية هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور التفكير لدى الإنسان..إنه عصر العلم الذي أله من دون الله..وكذبت ظنون أوجست كونت فلا زال الإنسان متشبثا بدين أو باحثا عن دين..وما من غربي من طبقة عادية أو من العلماء في مختلف التخصصات دخل في الإسلام إلا وصرح بالحيرة التي كان عليها، وبالطمأنينة التي صار إليها بعد أن عرف معبوده الحق لما أسلم.

يقول فيلسوف بريطاني:“أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام”.

إذن كثيرة هي الأشياء التي تفرق الإنسان عن الحيوان، لكن هناك من الأشياء والتصرفات ما هي فارقة بين هذا وذاك، يتميز الإنسان من خلالها عن الحيوان الذي أراد دارون عن حسن نية أو سوء طوية أن يجعل الجد الأرقى للإنسان القرد. إن من أخطر ما يميز الإنسان عن الحيوان ميزة “العبادة” كما سبقت الإشارة إلى ذلك. فهل بلغك أن مجموعة من الحيوانات اتخذت معبدا تمارس من خلالها عبادة ما؟ لقد اتخذ الإنسان من الحيوانات معبودات رغبة ورهبة، ومن الرسومات القديمة ما يدل على ذلك. أما العكس فغير وارد، وإنما الوارد في هذا المضمار ما أخبر به القرآن الكريم أن كل المخلوقات تسبح بحمد الله، ولكن لا نفقه تسبيحهم. قال تعالى:{تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً}[الإسراء:44]. فهذه عبادة بالجبلة وليس هذا من موضوعنا، فالإنسان أُمر أن يعبد الله اختيارا أي أن استجابته لأمر الله إياه بعبادته عن طريق العقل أو القلب، على خلاف في تحديد الفرق بينهما. وقد نتج عن ذلك صفتي الكفر والإيمان.

ب- الإنسان وطمأنينة الوحي:

إن أول ما نبحثه في هذا العنوان هو تحديد أهم الملامح التي تحدد الإطار الذي يتموقع فيه الإنسان.

1/ الإنسان في المنظور الإسلامي كائن مخلوق على التفصيل الوارد في القرآن الكريم. نختصره في المعادلة: الإنسان = طين + نفخة من روح الله. ليصبح بذلك كائنا آخر. مدح الله نفسه على هذه الخلقة العجيبة. هذا في أبينا الأول آدم. أما بعد أن خلقت حواء وهي من جنسه، حتى يكون التآلف بين الذكر وأنثاه، فقد صار الخلق من نطفة أمشاج، تنتج هذه النطفة الأمشاج من اتحاد الحيوان المنوي الذكري مع بويضة المرأة في قرار مكين إلى قدر معلوم. ولقد لخصت آيات سورة المؤمنون الأصل والمراحل الأساسية حيث يقول عز وجل:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:12/14]. ثم بينت المصير الدنيوي والمصير الأخروي:{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أي كأن الآيات بينت الملمح العام لمسار الإنسان، من حيث أصله الأول، ومن حيث أصله الذي خلف الأصل الأول في شيء من التفصيل الدقيق لمراحل الجنين المادية. أما ما هو خارج المادة فقد عبر عنه بتعبير يتضمن كل ما يمتاز به الإنسان. لكنه لم يبين فيه الخصائص، فكان التعبير:{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} بليغا معجزا حيث تضمن كل صفة عرفت أو تعرف في هذا الكائن الإنسان، حسنة أو قبيحة.

وقال في سورة المرسلات مكتفيا بما صار هو الأصل بين بني آدم:{أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات:20/23].

2/ من أخطر الميزات التي تميز إطار هذا الإنسان أنه كائن مزدوج، يتجاذبه طرفان (ابتلاء) طرف الخير وطرف الشر. قال الله تعالى:{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}[الإنسان:1/3]. ففي هذه الآيات بينت الحقائق التالية:

أ- أن الإنسان كان عدما {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}. وقوله:{لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}. فالتقدير هنا: لم يكن فيه الإنسان شيئا مذكورا، أي كان معدوما في زمن سبق. كما نص على ذلك الشيخ محمد متولي الشعراوي.

ب- أنه خلق من نطفة أمشاج (والنطفة الأمشاج) هي التي نتجت عن تلاقح الحيوان المنوي الذكري مع بويضة المرأة بعد أن يقع التواصل الجنسي بين الطرفين. والمطلع على كيفية حدوث ذلك يجد أمرا جللا، بدءا من الاتصال الجنسي، وقد جعل الله هذه اللذة أشهى لذة على الإطلاق، ويبدو أنه لولاها ما اقترب ذكر من أنثى، لما يلحق ذلك من متاعب، بدايتها التغيرات التي تطرأ على المرأة في بداية الحمل إلى الوحم إلى مخاض الولادة إلى شقاء رعاية من يولد وهو في أضعف مراحله.

ج- هذا الجزء من الآية {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} وضح ملمحا من الملامح التي تدخل تحت{ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ}، وهي ميزة السمع والبصر. لكن السمع والبصر صفتان يشترك فيهما الحيوان مع الإنسان أيضا، كما هو الشأن في النطفة الأمشاج.

د- أخطر ما يجعل كلا مما ذكر من الخلق، متميزا في الإنسان عن غيره: قوله عز وجل:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [الشمس:7/10]. فحيثما كان الاختيار {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} كان الابتلاء، وكان الجزاء من جنس العمل {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}. والآيات التالية تفصح أكثر، حيث قال عز وجل:{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً * أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ}[سورة البلد:4-20].

مما سبق يمكن تلخيص بعض أهم ما يحدد إطار الإنسان:

1/ أصل الإنسان آدم وحواء.

2/ أصل آدم = طين + نفخة من الروح.

فهو كائن مستقل عن الحيوان، من حيث النشأة أو التنشئة، ولا يهم اشتراكهما في أشياء مادية كالتناسل، ومعنوية كالحزن والفرح.

3/ حواء من جنس آدم، والاتحاد في الجنس أدعى إلى التآلف.

4/ أصل الإنسان أصبح النطفة الأمشاج الناتجة عن اختلاط المني بالبويضة.

5/ هذه النطفة الأمشاج وفي مرحلة من مراحل نموها يجعلها الله خلقا آخر، وذلك بجعلها كائنا عاقلا بالقوة كما يقال، أي له الاستعداد لأن يصير عاقلا مدركا.

6/ بهذا الإدراك يميز بين ما هو خير وما هو شر، بين ما هو كفر وما هو إيمان. وذاك هو سر الله في هذا المخلوق.

لكن السؤال: من يحدد الخير ومن يحدد الشر اللذين يترتب عليهما الجزاء دنيويا وأخرويا؟ بلغة أخرى: هل خلق الله الإنسان وتخلى عنه ليحدد مصيره؟ وعن طريق تحديد مصيره يحدد الوسائل التي تتحكم في مصيره؟ كلا. قال عز وجل:{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}[المؤمنون:115]. فالعبثية منفية عن أفعال الله. كيف وهو الكامل الحكيم الخبير. وما دام العبث منفيا فماذا طلب من الإنسان؟ قال عز وجل:{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}[الزمر:54/59].

إن أهم ما يمكن الوقوف عنده في هذه الآيات:

1/ قوله تعالى:{وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} وهو المعنى العبادي الذي يربط الإنسان بخالقه.

2/ قوله تعالى:{وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم}. فالعبادة والاستسلام لا تتم إلا باتباع أحسن ما أنزل من الله.

3/ إذا لم يقع هذا قبل فوات الأوان، أي التوبة قبل خروج الروح وقد وصلت حد الغرغرة، فإن التحسر حينها يصبح لا معنى له، لأن الحجة قد قامت {بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. فمن الذين سمى هؤلاء بالكافرين؟ أليست هذه آيات يتلوها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار؟ بلى. فكيف يعرف الإنسان أنه مسلم أو كافر إذا لم يبين له ذلك؟ إن التكفير الذي يجب أن يحارب هو التكفير بلا حجة ولا دليل أي بلا علم. أما أن يُخفى ما هو من الله عن عباد الله، فهذه خيانة جزاؤها اللعنة من الله ومن اللاعنين. وإلا كيف تقوم الحجة؟ قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [البقرة:159/162].

وأخيرا كيف تحدث الطمأنينة؟ هل بالإبقاء على الصلة بالله أم بقطعها؟ قال الله تعالى بعد أن ذكر إغواء إبليس لآدم وحواء:{ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:123/127].

ولتحقيق بقاء الصلة بالله قائمة أنزل الكتب وبعث الرسل، وكان خاتم النبيين والمرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم، فماذا عن المنظومة العبادية في الإسلام؟ ذاك ما يكون في الحلقة (أو الحلقات) القادمة بإذن الله.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحراك والبعد الثقافي/ عبد القادر قلاتي

ما نمر به اليوم من أحداث مؤشر على عملية تحوّل حقيقي، قد لا يفضي إلى …