الرئيسية | قضايا و آراء | السلوك الحضاري ضرورة حياتية ودينية/ د.إبراهيم نويري

السلوك الحضاري ضرورة حياتية ودينية/ د.إبراهيم نويري

هناك متلازمات لا تنفكّ أبداً في التصور العادي عن بعضها البعض، كأنها منظومة متسقة لا تقبل الشرخ أو التفكك، أو كأنها تمثال أبدعته يد فنان ماهر حاذق إذا بُتر منه جزء ـ مهما كان بسيطا ـ بدا مشوّهاً، لا تستقيم صورته، ولا يحلو إهابُهُ في عين وبصيرة الإنسان العادي إذا كان يتأمل تقاسيمه، فضلا عمّن يتذوق الفن والجمال من الناس.

ولعله يجيء في مقدمة تلك المتلازمات:”العلم” وصنوه “السلوك الحضاري”… فلا يُتصور العلم بمنأى عن السلوك الإنساني أو الحضاري المشبع بالمُثل والقيم الرفيعة التي يُعبر عنها في الأدبيات الفكرية والحضارية المختلفة بالأخلاق الأساسية…إن هذه الميزة تزيد في ألق العلم والمعرفة وتجعل صاحبهما ذا منزلة محترمة بين الناس، تُضفي عليه الكثير من معاني التوقير والتبجيل.

وبما أن مصطلح “الأخلاق الأساسية” مصطلح فضفاض، يتسع لسلوكات ودلالات ومفاهيم كثيرة متقاربة القيمة.. فإنني أكتفي منها هنا في هذه الأسطر العجلى بـ “التواضع” كقيمة وسلوك أو كفضيلة من الفضائل…إن المعارف المختلفة كي تأخذ سبيلها للأفئدة والعقول والضمائر، ولكي تؤتي جناها، ينبغي أن يكون صاحبها متواضعاً رقيقاً ليّـناً في سلوكاته ومعاملاته.

إن الملاحظة والتأمل الحصيف يرشداننا إلى حكمةٍ جليلة القيمة، هي تقريب المسافة بين الأسلوب والغاية، أو بين الوسيلة والهدف، وذلك بضريبة بسيطة سهلة لا تكلف صاحبها مالاً ولا رهقاً، ففي نطاق العلم مثلا..إذا قدَّر صاحب العلم أو المعرفة بأن ما يقدمه لغيره من الناس هو غاية نبيلة أو هدف سام، فعليه أن يفكر في وسيلة تقديمه وبسطه، إن الأسلوب والغاية يتكاملان أحيانا حتى ليبدوان  شيئاً واحدا ، أو وجهين لحقيقة واحدة…فالشراب مهما كان حلواً سائغاً يعافه الناس إذا قُدِّم لهم في وعاء صدئ مترهل..وليس هناك من وسيلة أو أسلوب لبسط المعارف لطالبيها غير السلوك الحضاري، الذي نعبر عنه هنا بفضيلة التواضع.

فينبغي على مَن يرجو لعلمه ومعارفه الذيوع والانتشار أن يتواضع مع الوسط الذي يتعامل معه، وأن يلين مع طلابه ويحلم عليهم ويترفق بهم، وأن يسحب ذيل التجاوز على ما يبدر منهم من تقصير، وليس ذلك من الهوان أو المذلة في شيء، فما أبعد هذا المقام الجليل عن هذه المعاني التي قد تساور بعض الناس..يقول الفيلسوف الراحل الدكتور زكي نجيب محمود رحمه الله:” ألا ما أسرع الإنسان إلى الوقوع في  الخطأ عندما تختلط عليه الصفات ويتشابه البقر، فعندئذ قد تبدو في عينيه دماثة المتحضّر ووداعته وعذوبته ذلة وخنوعا..فمن أراد أن يعلم عن وداعة الإنسان الظاهرة أهي ذلة، أم هي دماثة خلق، عليه أن يحلل ثقافته تحليلا عميقاً دقيقاً..لأن صفة التحضّر ليست مما يولد في يوم وليلة”[ قيم من التراث ص 382].  

إن هذه الصفة مطلوبة ومرغوبة، خاصة في الأوساط الفكرية والعلمية وهي صفة إنسانية وخلقية عامة، قد يصل إليها غيرنا بتجاربهم السلوكية التي أسميناها “الأخلاق الأساسية”، أو بعطاءات حضارتهم في مجال المعاملات  والسلوكيات…لكنها بالنسبة إلينا موروث أصيل في الأخلاق والسلوك والقيم…فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحثّ أصحابه على فضيلة التواضع وخفض الجناح وقد قال في ذلك:” لا تفضّلوني على يونس بن متىّ، ولا ترفعوني فوق قدري، فتقولوا فيَّ ما قالت النصارى في المسيح، إن الله اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولا “…وقال كذلك:” أتدرون مَن يحرم على النار يوم القيامة؟… كلّ هيّن ليِّن سهل قريب”… وقال أبو عون الأنصاري:” ما تكلّم الناس بكلمة صعبة إلا وإلى جانبها كلمة ألين منها تجري مجراها”. وقال عبد الله بن المعتز:” المتواضع من العلماء أكثر العلماء علماً، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماءً “.

إن صاحب المعرفة النافعة لا يستنكف أن يتواضع لغيره من الخلائق، ليس فقط بإحساس من شعوره بسموِّ رسالته العلمية، أو منزلة موقعه الذي وضعته فيه الأقدار العليا؛ بل ينبغي أن يكون ذلك أيضا بوازع من ضميره الذي شكلته مواريثه الأخلاقية والسلوكية، وفي ذلك عصمةٌ لفعله من التأويل، وشحذٌ لهمته وفعّالية أدائه في الواقع الماثل.

وما أجمل قول الشاعر الحكيم الذي يساق في هذا المقام:

تواضع تكــن كالنّجم لاح لناظر     على صفحـــات الماء وهو رفيع

ولا تـك كالدّخان يعلو بنفســه      على طبقات الجوّ وهو وضـيع

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

متنفَّس عبرَ القضبان

بقلم: المحامي حسن عبادي بدأت مشواري التواصلي مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون؛ زرت …