الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى/ محمد مكركب

فتاوى/ محمد مكركب

الموضوع: الشيطان قد يظهر في صورة بشر، ولا يستعين الإنس بالجن، إنما الاستعانة بالله.

قال السائل: سمعت أن بعض الرقاة يقولون بأنهم يستعينون بالجن على علاج المريض المصاب بالسحر، ويقول بعضهم إنهم يتكلمون معهم، وسؤالي هل الشيطان يتمثل في صورة إنسان؟ وهل يُسَخِّرُ شَخْصٌ الجنَّ لخدمته؟ وهل الجن عالم يعقل وله إرادة؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: قال الله تعالى:﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾[سورة الجن:6]، وقال تعالى:﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاَّ مَا شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾[سورة الأنعام:128] فعالم الجن موجود حقيقة، وهو بالنسبة لنا من عالم الغيب لا نراهم ولا نسمعهم ولا نكلمهم على أنهم جن، وإنما يمكن سماع صوت لهم غير مدرك بالتمام فيخيل إلى السامع وقد يقول الصوت إن جني، ولكن كل ذلك في علم الغيب. الأصل: أن عالم الجن مخفي عن بصرنا فلا نراهم. قال الله تعالى:﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:27] فقول الله تعالى:﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ يدل على أن بني آدم لا يرون الجن، لأن الله تعالى خلقهم خلقا لا يُرون لنا في الصورة التي خلقوا عليها، وإنما يُرَوْنَ إذا نُقِلوا عن صورهم إلى صورة خلق آخر. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثانيا:  أن الشيطان قد يظهر في صور إنسان أو يخيل في صورة كما يشاء الخالق، والله أعلم.كما ورد ذلك في قصة أبي هريرة مع أسيره. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:[يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة]، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة، وعيالا، فرحمته، فخليت سبيله، قال:[أما إنه قد كذبك، وسيعود] وفي المرة الثالثة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:[تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة]؟، قال: لا، قال:[ذاك شيطان](البخاري.2311)  والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثالثا: الجن لهم القدرة والإرادة على اختيار طريق الخير أو الشر، ومنهم المسلمون ومنهم غير ذلك، ويخالفون الإنسان في خصائص منها: أن أصل الجان مخالف لأصل الإنسان، فالإنسان خلق من الطين، والجان خلق من النار. قال الله تعالى:﴿وَالْجَآنَّ خلقناه من قبل من نّار السَّموم﴾[الحجر:27] والجان خلقوا من قبل خلق آدم، من قبل خلق الإنسان، والسموم الريح الحارة، فالجن مخلوق من النارية الهوائية ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَّارجٍ مِنْ نَّارٍ﴾[الرحمن:15] والمارج: اللهب المختلط بسواد النار. وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[خُلقتْ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجانُّ من مارج من نار، وخلق آدمُ مما وصف لكم)[مسلم.2996]  فالجن عالم ثالث غير الملائكة وغير البشر، وأن الجن مخلوقات عاقلة واعية مدركة ومكلفون. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

رابعا: وكما هو الشأن في بني آدم شياطين كفروا وطغوا، فكذلك عالم الجن منهم من كفروا وطغوا ومنهم من اهتدوا ودعوا قومهم إلى الإسلام. وأن الجن لا يعلمون الغيب.قال الله تعالى بشأن خبر وفاة سليمان عليه الصلاة والسلام:﴿فلمَّا قَضَيْنَا عَليْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلاَّ دابَّةُ الأَرضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبيَّنتِ الْجِنُّ أنْ لَّوْ كَانُوا يعلَمُونَ الغَيبَ مَا لبثُوا فِي العَذَابِ الْمُهِين﴾[سبأ: 14] وإذا لا يعلمون ما يكون غدا، ولا أحوال المريض. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

خامسا: مما أعلمه أن الجن سُخِّر لسليمانَ عليه السلامُ ولم يُسخر لِغيره، قال الله تعال:﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾[ص:35/38] وفي الحديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئا]( البخاري. 3423) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

سادسا: قال السائل:(وهل الجن عالم يعقل وله إرادة؟) والجواب: قلت: إن عالم الجن من عالم الغيب بالنسبة لنا. غير أن الخبر عنهم في القرآن الكريم يدل على أن لهم إرادة فمنهم المسلمون ومنهم القاسطون، ومنهم الدعاة. قال الله تعالى:﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يَا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[سورة الأحقاف:29/30] روى الرازي فقال:(وسئل ابن عباس: هل للجن ثواب؟ فقال نعم لهم ثواب وعليهم عقاب، يلتقون في الجنة ويزدحمون على أبوابها).

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …