الرئيسية | في رحاب الشريعة | الأمانة الوظيفية بين التكاليف الشرعية وطلب المسئولية/ محمد مكركب

الأمانة الوظيفية بين التكاليف الشرعية وطلب المسئولية/ محمد مكركب

 

الواجبات مراتب ودرجات وتكاليف وتطوعات، وعلى أساس نوع الواجب ومجالاته تتحدد الأحكام والشروط والضوابط، والمسئولية والمحاسبة، ومن مقتضيات المحاسبة على الأعمال والمسئوليات اعتبار مقياس الاستطاعة، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، ولا مسئولية على ما لم يؤمر به العبد، وموضوع البحث في هذا المقال هو حكم الأمر في الآية الكريمة:﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والمعنى فابذلوا في تقوى الله جهدكم وطاقتكم. فالتقوى هي العمل بشريعة الله تعالى، والاستطاعة: القدرة على الشيء. وجاء في اللسان:[الاستطاعة خاصة بالإنسان، والطاقة عامة، قال: تقول: الجمل مطيق لِحِمْله ولا تقل مستطيع]. وفي الحديث:[ذَرُوني ما تركتُكم، فإذا أمرتُكم بشيء فأتُوا منه ما استطعتُم (ما في قدرتكم وطاقتكم) وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه] وقال تبارك وتعالى:﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ﴾[الأنفال:60]

1 ـ تقوى الله في العبادات (أو مقياس الاستطاعة): أُمِر الناس بالصلاة قياماً، فإن لم يستطيعوا صلوا قعوداً، وأمروا بالوضوء بالماء، فإن لم يستطيعوا استعمال الماء أو افتقدوه، انتقلوا للتيمم بالصعيد الطيب، ومن لم يجد مالا بعد بذل الجهد والوسع بكل ما يستطيع لا يُطالب بالزكاة، وأمر العباد بالصيام فمن لم يستطع ففدية طعام مسكين، وأمروا بالحج فمن لم يستطع فلا إثم عليه، وهكذا شريعة الله رحمة وعدل وحكمة.

2 ـ تقوى الله في اجتناب المعاصي (أو مقياس الاستطاعة): لنتدبر الحديث التوجيهي البليغ:[ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا] فالذي نهى عنه الله ورسوله لا يقول العبد إنه لا يستطيع اجتنابه؟ لأنه لا يكلفه بذل جهد، وإعداد عدة. فلا يعقل أن يزني العبد أو يسرق أو يغتاب الناس وغير ذلك من الكبائر كأكل الربا، والرشوة، والتبذير، والنميمة، وسرقة المال العام، والغياب عن العمل، وخلف الموعد، ثم يقول: إنه لا يستطيع؟ [وما نهيتكم عنه فانتهوا] بلا استثناء.

3 ـ الكلام في هذا المقال عن طلب المسئولية والمفهوم الخاطئ في فهم الاستطاعة: فإذا طلب المسلم وظيفة من وظائف الأمانات الكبرى في الدولة والمناصب ذات الشأن الخطير كالتعليم، أو القضاء، أو تسيير بلدية، أو ولاية، أو مستشار في مجالس الشورى، أو مدير جامعة، أو وزير في وزارة، أو إمام مسجد. فإما أن يقوم بالوظيفة كاملة أو يتركها لغيره ولا يظل فيها وهو غير قادر، ويتخلف فيها عن أداء الواجب المفروض عليه اجتماعيا بموجب العقد الضمني للتكامل العمراني، ويعتذر بأنه غير مستطيع واعتذاره غير مقبول، ثم إذا انْتُقِد عن النقص وعدم القيام بالواجب كمعلم في التعليم أو كرئيس بلدية، أو كإمام مسجد، قد يخطئ في الاعتذار ويقرأ الآية:﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويقول: إنه يعمل بما يستطيع، فيقال له: ذلك في مصالحك الخاصة مع نفسك وبينك وبين ربك سبحانه جل جلاله، أما تولي مناصب المسئولية فلا يتقدم لها إلا من يستطيع القيام بها.

4 ـ من المسئوليات مديرية الاستشفاء (مثلا) أو أي مؤسسة أخرى: فلا يعتذر مدير مستشفى (مثلا) بقلة الوسائل العلاجية أو انعدامها، أو عدم وجود الأطباء مثلا، فوجود مستشفى يقتضي ممن يطلب منصب مديره أن يعد كل ما يجب من مستلزمات الصحة والعلاج، ولا يقبل منه التقصير، ولا يأتيه مريض أو مريضة ويقابله بالرفض والاعتذار بقلة أو عدم وجود السرير، أو الدواء، أو الطبيب، أو يقول لمرافقي المريض: خذوه إلى عيادة خاصة لإجراء فحوص الكشف بالأشعة أو التحاليل المخبرية ثم ائتوا به، فلا يقبل منه العذر ولا تبرير، ولا مسوغ له في الاعتذار أبدا. فبعض مسئولي المستشفيات يظن أنه مسئول عن الحضور فقط!! أما التكفل التام بكل ما يحتاجه المرضى فقد لا يفكر فيه. إن مسئولية التكامل العمراني المجتمعي توجب على المؤسسة المجتمعية القيام بكل ما أُعِدَّتْ له فيما هو معلوم من ظاهر التخصصات والمسئوليات، أوَ مَا عَلِمَ كلُّ مسئول أنه إن أخذ الإمارة ومنها مسئولية الإشراف والتسيير لشئون الناس أنهم إن أُعْطُوها بطلبهم واختيارهم أُكِلُوا إليها ألا يعلمون هذا، ولابد من القيام بها أحسن قيام فبما يبررون العجز، وهل نسوا نصيحة الرسول لأبي ذر:[ يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا](مسلم.1825) قال محمد فؤاد عبد الباقي في شرح الحديث:(إنك ضعيف وإنها أمانة) قال: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات (المسئوليات) لاسيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية وأما الخزي والندامة فهو في حق من لم يكن أهلا لها أو كان أهلا ولم يعدل فيها فيخزيه الله تعالى يوم القيامة ويفضحه ويندم على ما فرط، وأما من كان أهلا للولاية وعدل فيها (وكلف بها ولم يطلبها، إنما كلفه العلماء) فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر ناصحا له:[ يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرنَّ على اثنين، ولا تولين مال يتيم] يقول له:[لَا تَأَمَّرَنَّ على اثنين] يعني إن كنت لا تستطيع القيام بالمسئولية مائة بالمائة. فكيف برئيس بلدية أو والي ولاية يتأمَّر على مائة ألف أو يزيدون، وفيهم من يبيت جائعا أو عاريا، أو لم يصله الماء ولا مأوى له؟ ومنهم من لا يجد مقعدا دراسيا، ومنهم الخائف والمظلوم، ومنهم السائل والمحروم، ومن المتقاطعون والخصوم، وماذا يقول يوم القيامة للحي القيوم؟

وضربنا مثلا بالمسئول عن المستشفى، وحتى بالنسبة للطبيب في عيادته الخاصة لا يجوز له أن يرد مريضا في مجال تخصصه في أية ساعة جاءه من ليل أو نهار، فإما أن يقوم بواجبه نحوه، أو يوصله إلى المستشفى حيث يجد علاجه. وهذا الكلام لمن قرأ علم الاجتماع وعلم الأخلاق من القرآن والسنة ومنه هذا الحديث:[لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ – أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ – مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ](مسلم. كتاب الإيمان.45).

من أركان وأسس المسئولية: قال محاوري: مادمنا في الحديث عن المسئولية بين الاعتذار بعدم الاستطاعة وتقرير المحاسبة على ضياع الأمانة هل الوالد يسأل عن ولده والزوج عن زوجته والمدير عن موظفيه، والقائد عن جنده، والأمير عن ولاته؟ قلت: إن واجب المسئول يقوم على ثلاثة أسس: الأساس الأول: التبليغ والتحذير والإلزام. الأساس الثاني: اختيار الأصلح بالنسبة للموظفين والولاة  فإن كان من هو أصلح وولى على الوظيفة الأقل منه صلاحا وكفاءة وإخلاصا كان مسئولا وآثما، وإن أجرم الموظف شاركه المسئول في إثم الجريمة. وبالنسبة للولد في هذا الأساس، يختار الأم الصالحة لهم، ويعلمهم الصلاة والقرآن. الأساس الثالث: المحاسبة بما يقتضيه الشرع من القرآن والسنة، القول للمحسن أحسنت ويجازى بالتكريم ثوابا، ويقال للمسيء أسأت ويجازى بالتغريم عقابا.

مسئولية الموظفين وولاة الأمور عن المال العام (بين المسئولية ومقياس الاستطاعة): الموظف والمسئول وكل من يخوض في المال العام بغير حق فهو على شفا حفرة من النار، إن لم يتب ويرد المال الذي بذره أو اختلسه، ولا يشفع للمختلس من المال العام أنه يقدم خدمات جليلة للوطن كما يقولون، وفي هذه القصة عبرة لأولي الألباب. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ففتح الله علينا فلم نغنم ذهبا ولا وَرِقا، إنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، فلما نزلنا الوادي، قام رجل يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بسهم، فكان فيه حَتْفُهُ، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[كلا والذي نفسُ محمدٍ بيده، إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم]، قال: ففزع الناس، فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: يا رسول الله، أصبت يوم خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[شراك من نار أو شراكان من نار] (مسلم.115) فهذا الذي سرق شملة يدخل بسببها النار فكيف بالذي سرق الملايين أو الملايير. فما من موظف أو عامل أو رئيس بلدية أو رئيس مصلحة، أو وال أو وزير، يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح، إلا لم يدخل معهم الجنة، أي إذا لم يقم بواجبه بالتمام والكمال، والإتقان  والإحكام.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

التكافل المجتمعي أعظم أساس في بناء الدولة القوية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن الأسس الكبرى لبناء الدولة نجملها فيما يلي: الأساس الأول: الحاكم …