الرئيسية | قضايا و آراء | ‏ثم ماذا بعد؟/ علي حليتيم

‏ثم ماذا بعد؟/ علي حليتيم

‏واضح من المسيرات التي عمت ربوع الوطن أن الجزائريين ليسوا متفقين على عقد سياسي واجتماعي واحد ‏ينظم وعلاقاتهم ويوجه خطواتهم نحو المستقبل رغم اتفاقهم على الاصل والأساس وهو الوطن: وحدته وانسجامه منه وأمنه وضرورة أن يدخل في العصر الحديث ليكون دولة قوية باقتصادها ومؤسساتها وأجهزتها وشعبها وقيادتها!

‏لكننا بحاجة إلى عقد اجتماعي يحدد المسموح من الممنوع والواجب من الحرام على كل الأطراف سلطة ومعارضة وشعبا وعموم المواطنين!

وأول بنود هذا العقد حرمة دم كل الجزائريين، ‏وأول بنودها كذلك حرمة الوطن: وحدته وأمنه وسلامته، وأول بنود هذا العقد حرية المواطن وكرامته، وأول بنود هذا العقد العدالة للجميع والحقوق للجميع والواجبات وعلى الجميع!

‏لكن هذا العقد بحاجة إلى حراس لحراسته، لأنه لا أحد يعترض عليه ولا أحد يرفض كل ما ذكرنا من مبادئ، بل قد يكون من يدوس عليها هو أول من يرفع شعاراتها، فقد يكون أول عدو للحرية هو من ينادي بها ، وأول عدو للعدالة هو من يدعو إليها،  وقد يكون أول السارقين هو من ينادي بالنزاهة والعدالة.

ولذلك فإن العقد الاجتماعي بحاجة إلى حراس، ‏وهذا هو المقتل الذي قد يحدث في الجزائر  حين يغيب حراس الأمة الذين يمثلون روحها وضميرها وقيمها وهويتها ومصلحتها.‏

في دول العالم القوية يوجد مجتمع مدني قوي يمثل واسطة عازلة مخففة للصدمة tampon تحقق التوازن بين السلطة والشعب  فيحد من انحراف الأولى إذا انحرفت دون أن يكون في المعارضة ويحد من غلواء  المعارضة الشعبية واندفاعها إن جنحت للشطط دون أن يكون من السلطة ‏فيكون صوته مسموعا من الطرفين وتكون له سلطة على الطرفين ويمثلها في المجتمع ضمير هذه الأمة ومصلحتها والحاكم بين أطرافها والراعي لها. ‫

فمن يمثل هذا المجتمع المدني في الجزائر؟!

‏كثيرة هي الجهات المؤهلة للعب دور المجتمع المدني الفاصل بين الطرفين السلطة والشعب ، فهناك مجتمع الائمة الذين باعتلائهم لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحملهم لكتاب الله جل وعز في صدورهم وبتعليمهم لعلوم الشريعة يستطيعون أن يكونوا خير واسطة بين السلطات والمجتمع إذا حافظوا على مصداقيتهم واستقلاليتهم وهيبتهم وحرمة ما يحملون في صدورهم من نصوص الوحي وعلومه وقداسته.

‏وهناك طبقة المثقفين ممثلة في الجامعة وغيرها من المؤسسات العلمية التي كانت دائما وأبدا هي الحارس الفكري للمجتمع وقائده نحو معركة الأفكار وقدوته في العلم والبحث والاجتهاد وراصدة كل ما يرد على المجتمع من أفكار نافعة ومفيدة أو ضارة وهدامة أو قاتلة أو ميتة هذا فتمثل بذلك مرصادا فكريا حقيقيا للمجتمع و حكما بين السلطة والشعب ‏بالنظرة الفكرية الثاقبة التي تستشرف المستقبل وتوجه الحاضر وتفكك الواقع وتقومه.

‏وهناك الجمعية القطاعية الكثيرة التي كان يمكن لها أن تكون واسطة نافعة بين السلطة والمجتمع كالجمعيات الاقتصادية والاجتماعية والمجاهدين والجمعيات المهنية والجمعيات الشبانية وغيرها كثير.

‏وفي مقام خاص تأتي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تمثل تاريخ الأمة الجزائرية وضميرها ودينها وقيمها وتراثها وروحها الوثابة نحو المستقبل.  وهي تنأى بنفسها عن الصراعات – إلا مع مستعمر الأمس – وتؤاخي كل الجزائريين وقد زهدت في المناصب والمنافع لأجل هذا الشعب ولم تزهد في العمل والجهد والدعوة إلى الله والصبر على الأذى والاحتقار والتهميش وكل أصناف الأذى والحيف لا لشيء إلا خدمة لهذا الدين العظيم المجيد والوطن الغالي العزيز وهي ‏لا تطلب مقابل ذلك جزاء ولا عوضا ولا ترقب مدحا ولا شكرا ولا تطلب مالا ولا منفعة وإنما تطلب شيئا واحدا فقط وهو أن يكون الجزائريون لحمة واحدة وشعبا واحدا.

وفي الدول الحديثة على السلطة أن تكون خادمة للشعب متفهمة لمطالبه حريصة على فهم الرسائل واستقبال الإشارات حتى لا يمضي الغضب الشعبي إلى أبعد مما تسمح به مصلحة الوطن ووحدة الأمة وسلامة المواطنين وأول ذلك فسح المجال للمجتمع المدني كي ينشط ويقوى ويعمل ويقوم بدوره المعدل للميزان الدافع للاختلال.

إن العمل على إضعاف المجتمع المدني هو إضعاف للدولة نفسها وهو إضعاف للجزائر  في الجبهة الداخلية وأمام العدو  الخارجي الذي ‏الذي إذا رصد الضعف في دولتنا فإنه يملي عليها إملاءاته في مجال السياسة والاقتصاد والثقافة ولن تكون تلك الإملاءات في مصلحة الوطن بل ستكون في خدمة  العدو الذي يريد أن يعود أو لا يريد أن يزول!

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …