الرئيسية | قضايا و آراء | توضيح وليس ردا ولا مناقشة/ مصطفى العبودي

توضيح وليس ردا ولا مناقشة/ مصطفى العبودي

 

تناقلت وسائل الإعلام خبرا مفاده تعرض تلميذة للعقاب بسبب تأديتها الصلاة في فناء المدرسة الدولية، ومما ورد في وسائل الإعلام أن الوزيرة دعمت مديرة المدرسة، وذلك بمنع أداء الصلاة في المدارس. وهذا الموقف ليس من موضوعي، فموضوعي لا يحمل طابع الرد، ولا المناقشة، لأن الرد يتطلب التعرض للصراع الدائر بين نمط الحياة العلماني اللاديني، ونمط الحياة الديني، وذلك على الأقل منذ أن نشأت الفلسفة اليونانية ومواجهة ما سمي آنذاك بـ “الدين الشعبي” لها. ونوضح المسألة في النقاط التالية:

1/ أما ما تعلق بالعبادة بمعنى أعم فإن الذي يسلم بأن الله هو الخالق فإنه عز وجل قد ربط خلق هذا الكائن الذي هو الإنسان بأداء الوظيفة العظمى التي هي عبادة الله. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. ووضحت السنة في جواب لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- على سؤال وجهه لمعاذ رضي الله عنه (أتدري ما حق العباد على الله؟) حيث قال:”حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا“. وفي جواب عن السؤال:(ما حق العباد على الله؟) قال:”حق العباد على الله أن يدخلهم الجنة“.

2/ أما فيما يتعلق بالصلاة بشكل أخص فإن الله قد جعلها عماد الدين. قال صلى الله عليه وسلم:”الصلاة عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين ومن هدمها فقد هدم الدين” أو كما قال. والصلاة يرتبط أداؤها بالأوقات التي حددها الشرع. قال تعالى:{إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}[النساء:103]. فلكل صلاة من الصلوات اليومية الخمس المجال الزمني الفلكي الفيزيائي تبعا لدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، قال تعالى:{يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ}[الزمر:5] ولذلك اختلف وقت الظهر مثلا من فصل الربيع إلى فصل الخريف..ويترتب على هذا أنه أينما أدركت الصلاة صاحبها طولب بأدائها في وقتها. (وزيرا أو باحثا أو طبيبا أو أستاذا أو فلاحا أو تاجرا أو تلميذا…قال تعالى:{أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}[الإسراء:78].

إن الصلوات الخمس لا يرتبط أداؤها في الإسلام بمكان وحيد هو المسجد، نعم المسجد مهم جدا من حيث الأثر الاجتماعي للصلاة، لكن ليس في المقدور أن تؤدى دائما في المسجد، ومادام الأمر كذلك فلأهميتها ومكانتها وخطر أثرها ارتبط أداؤها بالوقت لا بالمكان. فهي مربوطة بالفرد قبل أن تكون مربوطة بالجماعة، رغم أهمية الجماعة. فالإنسان من حيث هو إنسان خلقه الله ليؤدي في هذه الدنيا دورا خطيرا يتمثل في أداء وظيفتين: الأولى: عبادة الله وهي الأساس. كما ألمحت. الثانية: وهو يؤدي هذه الوظيفة أوجب الله عليه أن يعمر الدنيا وفق الصلاح ونهي أن يفسد في الأرض بعد إصلاحها، ومن الإفساد في الأرض بعد الإصلاح عدم أداء الصلاة في وقتها عمدا، لأن ذلك يعتبر إخلالا بالنظام العام، هذا النظام الذي تنبني عليه صلاح أو فساد العلاقات ذات الأبعاد الثلاثة بين الإنسان والكون والحياة. وبين هاتين الوظيفتين أبيح له أن ينال من النعم، شريطة ألا يخل بالنظام العام، لأن الإخلال نوع فساد يضر بمصالحه الدنيوية والأخروية.

3/ إن المسلم الذي فقه الإسلام وفهمه فهما سليما يعرف أن آخرته مقدمة على دنياه، لكن من غير إهمال للدنيا في توازن عجيب. فالصلاة في الإسلام من أساسياتها أن تؤدى في وقتها، شريطة الانضباط. فالطبيب مثلا الذي يكون قد باشر عملية جراحية وقد حل وقت الصلاة ليس مطلوبا منه أن يوقف العملية لأداء الصلاة، ثم يرجع لإتمام العملية الجراحية، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد حدد أنه “لا ضرر ولا ضرار“. فالشرع الإسلامي يراعي الاستثناءات. وهل تنتظر وزيرتنا لأداء صلاتها حتى تنهي دوامها وترجع لبيتها لتجمعها دفعة واحدة وقد استنفدت كل طاقتها، كلما دخلت في صلاة تمنت الخروج منها، لسأم النفس نتيجة التعب؟

4/ إن من عظمة شأن الصلاة وإعلاء الله إياها: أنها لا تترك حتى أثناء المعركة متى كان ذلك ممكنا، وهي ما تسمى “صلاة الخوف“. وإن من رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وإكرامه إياها أن يؤدي المسلم صلاته متى وأينما أدركته. قال صلى الله عليه وسلم:”أعطيتُ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، …” الحديث/ متفق عليه.

فأداؤها في وقتها من حق الله، وليس من حق العبد أن يحور في ذلك إلا بإذن من الله، والإذن هنا أن يكون من أصحاب الأعذار. كأن يحبسه حابس عن أدائها في وقتها. مثل الطبيب الجراح كما ذكرنا.

فمن مسؤوليات رئيس أي مؤسسة أن يسهر على أداء موظفيه عملهم بحزم وانضباط، تبعا لما يقوم به من ترتيبات، ومن جملة ذلك أداء الصلاة في وقتها، حتى لا يقع الخلل في نظام المؤسسة، وبذلك نجمع بين متطلبات العبادة بالمعنى الخاص، وبمتطلبات العبادة بالمعنى العام، الذي يتعلق بإعمار الأرض بالصلاح، فمن الإفساد في الأرض تأخير الصلاة عن وقتها بلا عذر.

وأخيرا إنه من المعلوم أن من تعليمات وزارة التربية والتعليم تقديم النشيد الوطني قبل مباشرة الأداء المدرسي وفي نظام محدد، فهل تقبل السيدة الوزيرة أن يؤجل الأداء ويجعل فرديا يؤديه كل تلميذ لوحده كما يحلو له؟ فكيف نلتزم تعليمة البشر ولا نخل بها – وهو أمر في ذاته جيد، لأن النظام من سمات المجتمعات المتقدمة – ولا نعطي أهمية لأوامر الله؟ ! الوزيرة تعلم وكل من له إلمام بثقافة الكون أن الكون يسير وفق سنن..وتوقيت الصلاة قد ربطه الله بحركة الشمس كما قلت..فلا تصح عبادة في الإسلام بلا مراعاة للتوقيت، بدءا بالصلاة وانتهاء بالحج..فلنعتبر. ثم أليس من سوء أدب المرؤوس مع الرئيس أن يقابل المرء رئيسه وهو يتمنى نهاية المقابلة من أول دقيقة؟ أما أن يؤجل توجهه إلى رئيسه وقد ناداه إلى آخر الوقت الرسمي أو بعد انتهائه فهذا لا يقع مع رئيس بشري، ومن وقع منه ذلك فقد حمل معه قرار الفصل مع احتمال عقوبة قد تكون قاسية.هذا ما أردت توضيحه للسيدة الوزيرة، والله أسأل أن يلهمنا رشدنا ويسدد خطانا.

إن كان النشر متاحا وضحت في الحلقة القادمة الدلالات العميقة للعبادة في لإسلام (فلسفة العبادة في الإسلام).

أستاذ رياضيات سابق /ولاية قسنطينة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من لم يحترم دقائق الوقت لا يحترم دقائق الشرع…

مداني حديبي/ من الظواهر المؤلمة المقيتة عدم الالتزام بالوقت والانضباط في الحضور…والأمثلة كثيرة.. الاجتماع المفروض …