الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | بين الشيخين: النخلي ومحمد عبده/ محمد الصالح الصديق

بين الشيخين: النخلي ومحمد عبده/ محمد الصالح الصديق

العلامة الشيخ محمد النخلي أحد مفاخر تونس والمغرب العربي والأمة العربية الإسلامية قاطبة، من تلامذته المشاهير الإمام الشيخ عبد الحميد ابن باديس(1)، وكان له أثره البليغ في نصحه وتوجيهه.

ومما ذكره الإمام ابن باديس عن تأثره بشيخه النخلي ما يلي: “كنت متبرما بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية واصطلاحاتهم المذهبية في كلام الله، ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه، من القرآن، وكانت على ذهني بقية غشاوة من التقليد واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله وكتاب الله، فذاكرت يوما الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق، فقال لي: اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الأقوال المختلفة وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط، ويبقى الصحيح وتستريح” (مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، ص475).

وكانت بين الشيخين النخلي ومحمد عبده رسائل في الإصلاح، ولما صدرت رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده قرظها النخلي برسالة هامة، لم تقتصر على الثناء، والإشادة بمكانة الشيخ في علمي المعقول والمنقول، بل تعدت إلى النقد النزيه البريء!

ولما توفي الإمام محمد عبده رثاه الشيخ النخلي بقصيدة بلغية عصماء، يقول في مطلعها:

مصابٌ به الإسلام باكٍ موجع  * وخطبٌ به الإصلاح ركن مزعزع

وفيها يقول بعد أربعين بيتا من التنويه بشخصية الإمام، وجهاده الإصلاحي:

محمد من يدعو لكل فضيلةٍ  *  وأنت ببطن الأرض تحويك أذرع

محمد من ينهى على البدع التي  *  بها جامدو الأحلام قد تسرعوا

محمد من يُبدي لنا الدين جوهرا   *  نفيسا يغاليه حكيم ويخضع

محمد من يجلو حقائق دينه    *   منصة تبيان به العلى يقعفج

محمد من يدعو إلى الإلف والصفا *   ومن يرى أن الداء ذاك التشيع

وختم القصيد بقوله:

فنم في جوار الله يسقي ضريحكم   *   سحاب تيمن بالرضى لا تقشع

وقد نشرت هذه القصيدة في جريدة الحاضرة ع 854 يوليو 1905م، ومن هنا ندرك مستوى علماء الزيتونة ومستوى التعليم فيها، ولا عجب أن يتخرج منها جهابذة وفطاحل أمثال ابن خلدون وابن عرفة من المتقدمين وابن عاشور وابن بباديس من المتأخرين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- يكتب (ابن) بالألف لأن ما بعده جد لما قبله لا أب له كما هي القاعدة، وإسقاط الألف منه خطأ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكتابة وضوح وبيان

بقلم: محمد الصالح الصديق   جاءتني كاتبة بكتاب أنجزته وأعدته للطبع، وقالت أنها تريد أن …