الرئيسية | وراء الأحداث | فرنسا… والذاكرة الانتقائية !/ عبد الحميد عبدوس

فرنسا… والذاكرة الانتقائية !/ عبد الحميد عبدوس

 

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الثلاثاء 6 فيفري 2019 اعتبار تاريخ 24 أفريل من كل عام يوما وطنيا في فرنسا لإحياء ذكرى إبادة الأرمن. ولم يتأخر رد المتحدث باسم الرئاسة التركية، الذي اعتبر إبادة الأرمن “كذبة سياسية” وقال:”نرفض استخدام ماكرون للأحداث التاريخية كأداة سياسية للنجاة من المشاكل السياسية التي يعيشها في بلاده”.

يبدو أن فرنسا مازالت تتعامل مع قضايا التاريخ على طريقة “من يبصر القذى في عين غيره ويدع الجذع في عينه”. فقرار الرئيس الفرنسي بخصوص الأرمن جاء قبل يومين فقط من الذكرى الستين لمذبحة مروعة ارتكبتها فرنسا ضد المدنيين الجزائريين والتونسيين. إنها مجزرة ساقية سيدي يوسف الرهيبة التي مازالت محفورة في ذاكرة وأجساد الجزائريين والتونسيين وهي تنتظر على غرار جرائم إبادية أخرى ارتكبها الاحتلال الفرنسي اعتذارا فرنسيا أو إنصافًا للشعب الجزائري من طرف القانون الدولي.

ففي يوم السبت 8 فيفري1958م، وبينما كان سكان بلدة ساقية سيدي يوسف وبينهم عدد كبير من اللاجئين الجزائريين  يتقاطرون على السوق الأسبوعية، بسبب حلول موعد تسليم الهلال الأحمر التونسي، والصليب الأحمر الدولي المساعدات للاجئين الجزائريين، وعلى الساعة الـ11 صباحًا، أغارت عشرات الطائرات الفرنسية على البلدة الآمنة، وبدأت توزع قنابل الموت والدمار على البلدة وعلى كل من كانوا في مرمى قصفها، ولم تنج من قصفها المدرسة الابتدائية التي لجأ إليها نصف سكان البلدة، وكما تم تدمير منازل المواطنين ومتاجرهم، وواصلت الطائرات ملاحقتها وقتلها الشنيع لمن استطاع الهرب من البلدة، ولم تسلم حتى قافلة الصليب الأحمر من همجية وانتقام الفرنسيين، فكانت الحصيلة مقتل العشرات من اللاجئين الجزائريين، وأشقائهم التونسيين، وتدمير البلدة وتخريبها، واستمر القصف الهمجي الفرنسي لمدة ساعة كاملة فحول القرية إلى خراب، وكانت الحصيلة المأساوية 79 قتيلا من بينهم 20 طفلا أغلبهم من تلاميذ المدرسة الابتدائية، و11 امرأة، فيما فاق عدد الجرحى 130 جريحا.

وقبل هذه المجزرة الرهيبة بحوالي 13سنة كانت جريمة الإبادة الجماعية التي اقترفتها فرنسا ضد الجزائريين أي في الثامن ماي 1945م حيث أعطى حاكم فرنسا آنذاك الجنرال شارل ديغول الأمر إلى الحاكم العامّ  في الجزائر إيف شاتنيو:” لاستعادة النظام في الجزائر” جاء ذلك بعد خروج آلاف المواطنين الجزائريين في مظاهرات سلمية للمطالبة بالحرية وتقرير المصير.

ولكن قوات الاحتلال الفرنسي تصدت لهم بالدبابات والطائرات والجرافات وجندت قواتها البرية والبحرية والجوية لارتكاب مذابح بشعة راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شهيد، ولم يكتف المحتل الفرنسي بالتقتيل والترويع للمدنيين المتظاهرين، ولكنه قام أيضا بحل الحركات الوطنية والأحزاب السياسية الجزائرية وزج بزعماء تلك الحركات في السجون مع إعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد وإلقاء القبض على آلاف المواطنين، وإيداعهم المعتقلات بحجة أنهم خارجون عن القانون وإصدار في حقهم أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية. بعد هذه المجزرة الرهيبة أبرق الحاكم العام الفرنسي في الجزائر لقائده الجنرال ديغول يقول له:”إن العرب خضعوا بعد إبادتهم”.

والحقيقة أن جرائم فرنسا تعدت الجزائر، ففي قصة أخرى وفي بلد آخر أظهرت تقارير رواندية تورط فرنسا في الابادة الجماعية التي حدثت في رواندا عام 1994، مشيرة إلى مسؤولية قادة حكوميين وعسكريين في تقديم أسلحة لمرتكبي هذه الجرائم، كما لعبوا دورا مهما في عرقلة محاولات تقديمهم للعدالة.

ويذكر الصحافي باتريك دو سانت أكزيبيري في كتابه (ما لا يصرّح به) ما كان يقدمه الجيش الفرنسي من شحنات السلاح إلى القوات الرواندية، في الأعوام 1991، 1992، و1993. في أوج أحداث الإبادة الرواندية، حيث تم إيصال ست شحنات من الأسلحة بقيمة 5454395 دولارًا.

ووفق جان بول غوتو، مؤلف كتاب (الليلة الرواندية)، فإن المساعدات الفرنسية سمحت بتحويل القوات المسلحة الرواندية من 5300 عنصر إلى قرابة خمسين ألفًا، تكفلت فرنسا بتسليحهم وتدريبهم وتأمين احتياجاتهم. ووفق وثيقة للخارجية الفرنسية تولى قائد القوات الفرنسية شوليه وظيفتي مستشار رئيس الجمهورية ومستشار قائد أركان الجيش الرواندي. كما شكل في نفس العام الحزب الحاكم مليشيات من الهوتو لارتكاب مجازر بحق التوتسي.

وقد نشرت رواندا قائمة تضم أسماء 22 من كبار ضباط الجيش الفرنسي متهمين بالمساعدة في تخطيط وتنفيذ عمليات القتل. ومازالت فرنسا ترفض رفع السرية عن الملفات التي تحوزها حول مجازر رواندا.

كل هذه الجرائم الإنسانية والمخازي التاريخية لا تصيب فرنسا بالخجل ولا تدفعها إلى محاولة إجراء مصالحة مع ضميرها أو تنظيف تاريخها الإجرامي القذر، ولكنها ترفع عقيرتها في المحافل الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان والدفاع عن المضطهدين في التاريخ. فقد كانت فرنسا سباقة للاعتراف بمذبحة الأرمن وكان ذلك بين عامي 1998 و2000 من خلال الجمعية الوطنية الفرنسية ثم مجلس الشيوخ، وتم ترجمة ذلك في قانون رسمي عام 2001، ويقدر المؤرخون عدد الأرمن الذين قتلوا على يد الأتراك العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى بـ1.5 مليون شخص.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد رد على اعتراف فرنسا بمجزرة الأرمن قائلا:” إن فرنسا قتلت 5 مليون مسلم في الجزائر”.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الرئيس السيسي في صورته الحقيقية !/عبد الحميد عبدوس

تحول اللقاء الذي أجراه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع قناة (سي. بي. أس) الأمريكية …