الرئيسية | في رحاب السنة | دراسات في السيرة النبوية أحداث وقعت في مكة قبل العثة النبوية/ خير الدين هني

دراسات في السيرة النبوية أحداث وقعت في مكة قبل العثة النبوية/ خير الدين هني

وينأى بها عن كل ما يعكّر صفو حياتها ويضني عيشها؛ ولكن كان هذا هو قدرها فما عساها أن تفعل حيال قدرها المحتوم؟ فليس أمامها إلا الصبر تعزي به نفسها وتسلي به لوعتهـا، وتوطّن به نفسها على التجلد والتحمّل، حتى تحافظ على نضارتها وشبابها.

وكان عبد الله قد ترك – عند وفاته – قطيعا صغيرا من الغنم، وخمسا من الإبل، وجارية تسمى أمّ أيمن، وهي التي حضنت النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تكن هذه التركة لتدل على ثراء واسع؛ ولكنها كانت ذات قيمة يمكن أن تمكّن هذا الشاب من إنمائها لو بقي على قيد الحياة، ولم تمض الأيام طويلا على وفاة عبد الله؛ حتّى شعرت آمنة بشيء ما في بطنها، فسألت النساء عن ذاك الذي أخذ يدغدغ بطنها ويرسل في جسمها قشعريرة غير معهودة، ولم تلبث أن زففن إليها البشرى السعيدة بأن عبد الله لم تنقطع صلته بهذه الشابة الميمونة؛ إنها حبلى! فاغتبطت لذلك أيّما اغتباط؛ لأن ذلك المولود سيملأ عليها الحياة، ويذكّرها بهذا الزوج الوفي الذي خطفه المنون في ريعان شبابه، ولا ريب أنه سيخفّف عنها لوعة الأسى على الفراق، ويبعث في نفسها الأمل الذي كادت تذره الخطوب.

مرت الأيام على الحمل، والجنين يقارب الاكتمال، فلمّا حانت ساعة المخاض، وضعته طفلا كامل الخلقة، صبوح الوجه، مشرق الأسارير، بهي الطلعة، ميمون القسمات، تظهر عليه علامات النضج والاكتمال، وبعثت إلى الجد تزفّ إليه البشرى بهذا المولود السعيد، وعاودته الذكرى، فتذكّر ابنه الفقيد فانفطر لذلك قلبه؛ ولكنّه كتم أشجانه، وأخفى أحزانه، وهرع مسرعا إلى زوج ابنه، وأخذ النبي الصبي بكلتا يديه، وتوجه به إلى الكعبة ليتيمّن بها ويلتمس منها البركة والعون، وأطلق عليه اسم محمد، ثمّ أعاده إلى أمه بعد أن امتلأت عيناه منه، وفاض قلبه بشرا وسرورا وغبطة بطلعته الميمونة!”( في رحاب السيرة النبوية).

قبيلة بني سعد تسترضع النبي:

كانت مكة حاضرة من حواضر الحجاز، وكانت أنديتها  تعج بشيء من اللهو والمجون وفساد الأخلاق، فكان من ذلك أن انتشر ت عادات السوء بين الفتية والغلمان والشباب، فأصبح الأمر لا يطاق فتبرم منه الأهل وبحثوا له عن حل يخفف عنهم هذا المصاب، فالميل إلى اللهو والمجون والترف هي ما تنزع إليها نفوس الفتية من الشباب، وقد جبلوا على حبها منذ النشأة الأولى من حياتهم، فحيث ما اجتمع الناس تزاحموا وكلما تزاحموا ضاقت بهم الحياة وتقاذفوا وتراجموا بقبيح القول وبذيئه، فينشأ الأطفال قبيحين ذميمين وعلى غير حسن الأخلاق متعودين، وهذا ما وطّن العادة عند الأشراف والسادة من قريش من ذوي السعة واليسار بأن يدفعوا أبناءهم إلى البادية عند ولادتهم، تخلصا من زحام المدينة ولغطها وصخبها وفسادها ووضرها، “كي تنمو عقولهم، وتقوى أبدانهم، وتصفو نفوسهم، وتتفصّح ألسنتهم، وينشأوا على حب الفضائل التي يقدسها العرب كالجود والكرم والشجاعة، والنجدة وغيرها”( في رحاب السيرة النبوية).

وكانت قبيلة بني سعد (لفقرها، تقع بين مكة وجدة) من أشهر القبائل المرضعة، وكانت المرضعات يأتين مكة مع ذويهم كلما انتهى إلى أسماعهن ازدياد مواليد جدد ليعرضن خدمات الرضاعة على الموسرين والأثرياء، وكانت  آمنة تنتظر قدوم المرضعات لتدفع إلى إحداهن مولودها المبارك، وكانت من قبل –عند الولادة- قد دفعته إلى ثويبة جارية أبي لهب فأرضعته أياما معدودة، وكانت المرضعات يعرضن عن آمنة لعلمهن بترملها ويتم ابنها، وما عسى أن تقدمه أم قد ترمّلت إلى مرضعة ابنها، فهي أحوج إلى من يقدم إليها العون والسند.

ومن جملة من قدم مكة من المرضعات حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، ولم يدفعها على أخذ النبي إلا أنها لم تجد غيره، وكرت أن تعود إلى قومها من غير أن تأخذ رضيعا.

كانت مدة مكثه مسترضعا بالقبيلة حولين كاملين،  “ترضعه حليمة وتحضنه ابنتها الشيماء، وكانت حليمة تحيطه برعاية شاملة جعلته ينمو نموا جيدا، حتى إذا بلغ سن الفطام أعادته إلى أمّه؛ إلا أن آمنة رغبت في عودته إلى البادية حتى يكتمل نموه، فأعادته حليمة مرة ثانية؛ وبقي النبي يمرح في رحاب هذه البادية الفسيحة، يتشرّب قيمها وفضائلها، ويستنشق هواءها العليل، ويشرب ماءها الزلال، حتى قوي بدنه، وصفا عقله، وسلمت فطرته، واستقامت سيرته، فأصبح فتى يافعا تظهر عليه علامات النجابة والفطنة والذكاء”(في رحاب السيرة النبوية).

شق الصدر:

فلما رجعت حليمة بالنبي إلى ديارها، وقع أمر غريب روته أحاديث صحيحة في مسلم عن عائشة وأبي هريرة، فذات يوم خرج مع أخيه في الرضاعة في رعي بهم لهما خلف البيت، لقد ذكر رواة السيرة أن أخاه رجع مسرعا إلى أبويه وهو مذهول مما رآه  وذكر لهما أنه رأى شخصين عليهما ثياب بيض وأخذا أخاه وأضجعاه أرضا وشقا بطنه؛ ثمّ استخرجا قلبه وشقّاه، ثمّ استخرجا منه شيئا أسود فطرحاه، ثمّ غسلاه بالثلج حتى نقيّاه “(السيرة النبوية لابن كثير، 1/228).

“واتجه الأبوان مسرعين نحو النبي، فوجداه واقفا مُنتقَح اللون، فسألاه عن حاله فأخبرهما بما قصّه عليهما ابنهما، فأصابهما هلع كبير وظنّا أنّه أصيب بمسّ من الجن؛ فأخذاه وانطلقا به حتى أتيا أمّه، وقصّا عليها ما وقع لابنها، فطمأنتهما وهدّأت من روعهما، وأبلغتهما بأن لا سبيل  للشيطان على ولدها؛ ذلك أنها كانت ترى في منامها وهو في بطنها؛ ما كان يدل على أنّه سيكون له شأن عظيم، عندئذ عاد الأبوان بالصبي إلى مضارب بني سعد، وترعرع، هنالك حتى بلغ الخامسة من عمره فأعاداه إلى أمّه”(في رحاب السيرة النبوية).

رأي العلماء:

ذهبت جماعة من كتاب المسلمين إلى رفض هذه الحادثة من أساسها، ذلك أن القصة – في زعمهم– لا تستند إلى قول صحيح يمكن الاطمئنان إليه؛ إذ أن الذي روى القصة طفل لا تتجاوز سنه الثانية إلا قليلا؛ والنبي صلى الله عليه وسلم، نفسه الذي أكد القصة لأمّه السعدية لم تكن سنه تتجاوز السنتين والنصف، وذهب بعض المؤيدين لهذه الحادثة إلى الاستدلال على صحتها بما جاء في سورة الشرح:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ}[الشرح:1/3]. وبما روي في صحيح مسلم عن أنس، أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم، أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك؛ ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ لأمه ثمّ أعاده إلى مكانه، صحيح مسلم، باب الإسراء1/92، ويروى عن أحمد، 4/184، والحاكم، 2/616،617. وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، أنظر تفصيل ذلك في هامش وقفات تربوية، أحمد فريد، ص149.

وجاء الغلمان مسرعين إلى أمّه – يعني ظئر المرضعة – فقالوا إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو مُنتقَع اللون، قال أنس: وكنت أرى أثر المخيط في صدره.

والواضح أن الكتاب المسلمين الذين رفضوا حادثة شق الصدر؛ غلب على تفكيرهم النزعة العقلية في تفسيرهم للمعجزات الحسية؛ لأن إثباتها في زعمهم يقلّل من كون الرسالة المحمدية رسالة عقلية، ولا تعتمد على الخوارق الحسية مطلقا. ومهما قيل في هذا الموضوع، فإن القرآن الكريم أثبت أن عملية تطهير القلب وقعت حقيقة على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، سواء أكانت طهارة حسية مثلما روته القصة الشهيرة؛ أم كانت طهارة معنوية مثلما ذهب إليه الكتاب الذين نفوها”(في رحاب السيرة النبوية).

فأصحاب المدرسة الأثرية (مدرسة الحديث) يثبتون القصة ويعتبرونها من المعجزات الحسية التي تدعم النبوة الخاتمة، ويستدلون على ذلك بالأحاديث المروية في صحيح مسلم وغيره. أما أصحاب مدرسة العقل فينفونها نفيا قاطعا سواء أكانوا من مدرسة الاعتزال أو من المدرسة الإصلاحية الحديثة (مدرس محمد عبده وأتباعه).

فيذهبون إلى أن معجزة النبي صلى الله عليه وسلم هي المعجزة القرآنية فقط، أما من يسمون أنفسهم القرآنيين فلم نستشهد بآرائهم، لأننا نعتبر كلامهم لغوا ومروقا عن الدين، وأنهم ضالون مضلين بنفيهم مدرسة الحديث كلها، فلم يصح منها عندهم إلا بضعة عشر حديثا فقط. وهم بهذا النفي خالفوا ما أجمع عليه علماء الأمة من الأصوليين والمحدثين والفقهاء وجمهرة العلماء عبر العصور، وخالفوا صريح القرآن الكريم في قوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}. وقال:{مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} والله تعالى أوجب على الناس التأسي به قولاً وفعلاً مطلقاً بلا استثناء، فقال:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}.

ويذهب المحققون ممن نفوا القصة من اعتبار القدامى، كانوا يرومون الدفاع عن حياض النبوة باختلاق قصص سموها إرهاصات للاستدلال على صحة النبوة، فكان أن فتحوا باب الجحيم على النبوة الخاتمة في تاريخنا المعاصر، إذ شكلت تلك الإرهاصات للمسلمين اليوم هاجسا علميا جعل أعداء الإسلام يتهمون الإسلام بأنه دين القصص الخرافي الذي لا يقبله عقل ولا نقل، لأن هذه الإرهاصات لا تسندها شواهد تاريخية عند الأمم التي وقعت عندها  هذه الإرهاصات، كسقوط إيوان كسرى وتداعي أربع عشرة شرفة من شرفات القصر وتهاوي صوامع الكنائس، وغيض ماء بحيرة ساوة وقصة الراهب بحيرا، وما شاهده من معجزات بحضرة أشياخ قريش في الرحلة التجارية التي أخذ فيها أبو طالب النبي معه إلى الشام وهو ابن اثنتا عشر سنة.

وأنا لي رأي في مسألة حادثة شق الصدر، وهي التي يستدل الكثير من العلماء على وقوعها، لكونها معجزة مبكرة دلت على البشارة برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، مثلما ظهرت معجزات عيسى عليه السلام وهو في المهد، والاستدلال على ذلك أن الفرق بين معجزات عيسى  وحادثة شق الصدر كبير وكبير جدا، فمعجزات عيسى جاءت في ظرف استثنائي وغريب لم يعهده البشر في تجاربهم أبدا، فجاءت معجزاته من جنس معجزة مولده التي كانت على غير الطريقة البيولوجية التي عهدها الناس، فولد من غير أب معلوم ولا على طريقة الارتباط بعقد الزواج بين رجل وامرأة،  فاتهمت أمه القديسة التي كانت خادمة البيت القدوس، اتهمت بما لا يجوز في حقها وأنها أتت بعيسى من سفاح، ولم يكن لديها من الأدلة العقلية ولا النقلية ولا الشواهد ولا الشهود، ما تثبت به صحة دعواها، حيث إن فعل تخلق العلقة في الرحم بدون علة بيولوجية، لا يمكن الاستدلال عليه، لأنه من الأسرار الخفية التي لا يمكن الاطلاع عليها، فجاءت المعجزة وهي خرق القانون الطبيعي بفعل غير طبيعي، للاستدلال على النبوة والرسالة والكرامة وعلو المقام. وهذه هي الحكمة من كل معجزة خارقة تظهر على يد نبي من أنبياء الله.

أما معجزة حادثة شق الصدر، فقد انتفت عنها الحكمة من ظهور المعجزة، وهي المعاينة والمشاهدة من الذين عاندوا وجحدوا وكفروا، ليؤمنوا بصدق النبوة والرسالة، أو لتثبيت قلوب المؤمنين وطمأنتهم وتعميق إيمانهم بحقيقة الغيب والبعث والحساب، لأن نفوس البشر جبلت على الشك والارتياب في كل ما لا يقع تحت حسها وجوارحها، {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}(البقرة:260).

فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغ سنتين ونيف عند وقوع الحادثة، ولم يشهد هذه المعجزة سوى أخيه من الرضاعة الذي كان تربا له، فما الحكمة من ظهور هذه المعجزة والنبي لا يعي ما يفعل به، أما قولهم: نزع شيء من قلبه كالعلقة ثم قالوا: هذا حظ الشيطان منك، فهذا الفعل غير العلمي وغير العقلي هو الذي جعل مارقي العصر ومبتدعة القرآنيين يطعنون في الإسلام أو الأحاديث النبوية الصحيحة ويرمونهما بكل نقيصة وعيب، لهذه الأسباب:

أولا: هذا الفعل المنسوب لله وغير اللائق بجلاله وعظيم سلطانه، يجعل فعله سبحانه مماثلا لفعل البشر في معالجة الخلل البيولوجي أو التشوهات الخلقية، من طريق الجراحة بالمشرط والمقص والخيط، لاستئصال ما هو مضر بوظائف الجسم، وأن الجراحة المادية هي ما يعالج قلب النبي صلى الله عليه وسلم، بنزع عواطف الحقد والغل والكراهية من قلبه، وجعله نقيا طاهرا.

ثانيا: أن العواطف النبيلة والسيئة، في قلب البشر ليست أحاسيس مادية يمكن نزعها بوسائل الجراحة، وإنما هي تفاعلات كيماوية تحدثها الهرمونات في الدم، حينما يتلقى الدماغ التنبيهات الخارجية. فمثلا حينما يرى المرء عدوه في مجال رؤيته، تنقل الإحساسات البصرية صورته إلى مراكز الدماغ، فيعطي الدماغ الإشارة إلى الغدة الصماء المسئولة  عن الحقد والبغضاء والكراهية، فتفرز الغدة قدرا معلوما من هرمون الكراهية مباشرة في الدم، فيشعر المرء ببغض شديد لعدوه وينظر إليه شزرا ويتمنى له الشر…وهكذا تحدث كل المشاعر والإحساسات.

ثالثا: جاء في حديث أنس، أنه كان يرى أثر المخيط في صدر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه ثغرة علمية أخرى  في الحديث، إذ أن الحديث يجعل الفعل الإلهي كالفعل البشري، الذي يقتضي استعمال المشرط والمقص والخيط في الجراحة، وأن الجرح حينما يلتئم يترك الأثر ظاهرا للعيان.

لهذه الأسباب الموضوعية، يتعين على أئمة الحديث المعاصرين وعلماء الأصول إعادة النظر في مثل هذه الأحاديث، ليس على منهج مبتدعة القرآنيين، وإنما بمناهج جديدة تراعي أصول البحث الشرعي، مع إضافة عناصر جديدة لمناهج الجرح والتعديل. كيما تتساوق معاني مثل هذه الأحاديث مع روح العلم الصحيح الذي يتوافق مع روح الشريعة. أما علوم الزندقة والشعوبية ممن يروجها مبتدعة العصر ومارقوه فيمكن التصدي لها وإبطالها بما يتاح من نظر سديد وتحليل عميق وتقويم رشيد.

وبمناسبة ذكر مناسبة (الإرهاصات والمعجزات)، فإنني سأعرض في هذه الدراسة – بعد نشر هذه المقالة- مبحثين منفصلين وردا في كتابي ( في رحاب السيرة النبوية)، أوردت في الأول: عدم ترجيح صحة وقوع قصة بحيرا… وفي الثاني: أثبت فيه وقوع المعجزات الحسية بما أتيح لي من نظر، خلافا لما نفاه المعتزلة وأصحاب المدرسة الإصلاحية الحديثة، الذين نراهم قد اشتطوا في مغالاتهم تمجيد العقل وإعطائه قدرا من التبجيل والتعظيم تجاوزت حدود العقل نفسه، إذ أن العقل هذا الكائن العبقري الجبار وقف عاجزا في تفسير الكثير من الظواهر الطبيعة التي تنتمي إلى عالم الحس، فكيف به أن يفسر عوالم غيبية تفوق مجال إحساسه وإدراكه.

فالمعرفة العقلية التي تبدو لنا مجردة، ما هي إلا تجريدات حسية خلع عليها العقل معاني مجردة من الصور الحسية، وهي في مجموعها مدركات استوحاها العقل من بيئته الطبيعية التي يعيشها في هذا العلم الذي تحده أبعاد نراها ونتلمسها بحواسنا وعقولنا. ولذلك حين يذهب إلى تخيل صور من عالم ما وراء المادة، فإنه يستعين بمدركاته وأقيسته التي تعلمها في حياته، وحينه تعوزه أدوات الاستدلال لتمثيل الصور الغيبية، قياسا على صور عالم الحس فيلتجئ إلى أسهل الحلول، بالنفي والكفر والجحود.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مجالس السيرة النبوية الإسراء والمعراج (1)/ خير الدين هني

توطئة : الإسراء والمعراج معجزة من معجزات الحق سبحانه، خرق بها قوانين الفيزياء الطبيعية التي …