الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى مكركب/ محمد مكركب

فتاوى مكركب/ محمد مكركب

الفتوى رقم: 316

الموضوع: إنما الطاعة في المعروف، ولا طاعة لولي أمر في المعصية.

قال السائل وهو (من بلد شقيق): أنا أعمل في إدارة عامة ويأمرني المدير بتوقيع شهادات وتراخيص مخالفة للقوانين، ثم ليس ما يأمرني به من مَهَمَّتي الوظيفية، وعندما أَرُدُّ ذلك على أنها غير قانونية، يقول: أنا أتحمل المسئولية والإثم إن كان..وعندما رفضت مطلقا وناقشته قال: أنت مأمور، ولا شأن لك. يقول السائل: فما هو الحكم في المسألة؟ لأن هذه المخالفات (السائل يقول) كثرت في كثير من القطاعات. فأرجو أن توضحوا لنا القضية من الوجهة الشرعية، وجزاكم الله خيرا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله.

 أولا: يقول الله تعالى:﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾[سورة المدثر:38] أي: كل نفس مرتهنة بكسبها الذي قامت به في الدنيا، مأخوذة بعملها التي عملته بيدها، إما خلصها وإما أوبقها. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها لَها مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ﴾[سورة البقرة:286]. وقال تعالى:﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[سورة الإسراء:15] هكذا تعلم أيها السائل أن كل واحد يجازى بما كسبت يداه ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ[سورة إبراهيم:51].

ثانيا: لعل من هذه القصة التي رواها البخاري في صحيحه تُفهم المسألة وفيها فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن علي رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فاستعمل (عليهم) رجلا من الأنصار (أميرا عليهم) وأمرهم أن يطيعوه، فغضب (هذا الأمير)، فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجْمَعُوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:[لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، فالطاعة في المعروف] أي:( وليست الطاعة في المعصية)[البخاري.4340]. فالذين يبررون أخطاءهم بأنهم مأمورون من قبل إداراتهم في تزوير الوثائق، أو فعل ما يخالف الشرع فليس لهم حجة ولا عذر، ولا يُقبل منهم ذلك. فلو أمر مدير أو وزير المقتصد المكلف بصرف المال العام للمؤسسة بأن يوقع على فاتورات مزورة أو أمره بصرف أموال في غير أبوابها المشروعة وطاوعه في ذلك لكان مذنبا مثله ونال العقاب ويعتبر ذلك خيانة، ومن يخونون الأمانة في أجهزة الدولة مثلهم كقطاع الطرق،  والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

ثالثا: نقول للأخ السائل: نعم إن موقفك في رفض القيام بما يخالف القانون موقف سليم، والمدير لا يتحمل الإثم عن العامل العاصي عمدا، نعم سينال الآمر بالمنكر جزاءه من العقاب لأنه أمر بالمعصية، ولكن العامل المأمور لا يُعْفَى من المسئولية إِنْ وافق الآمر بالمعصية وعمل بها. حيث القاعدة المعمول بها في الشرع  لا يطاع ولي الأمر في المعصية أبدا. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

رابعا: لا يجوز للعمال والموظفين ولا لأحد إذا أُمر بمعصية أن يفعلها بحجة أنه مأمور، وتسول له نفسه بأن الإدارة أو صاحب العمل هو الذي يتحمل المسئولية، كلا أبدا، فإن الآمر بالمعصية والمنفذ لها شريكان في الجريمة والعقاب. قال الله تعالى:﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾[العنكبوت:12/13] قال مجاهد: قال المشركون من قريش نحن وأنتم لا نبعث، فإن كان عليكم وزر فعلينا، أي نحن نحمل عنكم ما يلزمكم. والحمل هاهنا بمعنى الْحُمَالَةُ (أَجْرُ الْحَمَّال) لا الحمل على الظهر. وروي أن قائل ذلك الوليد بن المغيرة. فكذَّبَهُم الله سبحانه وكشف افتراءهم ورد عليه بقوله تعالى:﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ . وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ فإياك أيها الموظف أن يغالطك أحد ويُوقِعَك في إثم شهادة زور، كتزوير الوثائق، أو صرف أموال في غير الوجه المشروع، أو تمارس عملا تشك فيه أو تعلم أنه حرام، واعلم أنه كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحلال بين وأن الحرام بين، وليسأل الإنسان يوم القيامة. والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــــك قيــــود الأزمات والتخلص من عثرات الانهزامات

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com/ الأزمة تعني الشدة والضيق والفاقة، وبمفهوم الاقتصاد فالأزمة هي القحط …