الرئيسية | في رحاب الشريعة | النهضة الاقتصادية ومقوماتها التربوية والمالية والاجتماعية/ محمد مكركب

النهضة الاقتصادية ومقوماتها التربوية والمالية والاجتماعية/ محمد مكركب

بسم الله الرحمن الرحيم.﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:10/11] هذه آية من عشرات الآيات الداعية إلى النهضة الاقتصادية ولكن الذين يهجرون القرآن لا يزالون بعيدين عن مقومات النهضة الاقتصادية الإنسانية، فالأمم التي تقدمت تكنولوجيا بغير عبادة الله أفسدت بتقدمها التكنولوجي أكثر مما أصلحت وهدمت أكثر مما بنت وضرت أكثر مما نفعت، والأمم المسلمة العابدة أخذت بالفقهيات من المحكمات وهجرت الآيات الكونيات، ولذلك ظلت متخلفة في انحطاط غريب، وصراع ذاتي عجيب. وهدف البحث هنا: ما هي مقومات النهضة الشاملة، لعل الغافلين من المسلمين يعودون إلى الكتاب المبين.

لكن في البداية ما هو مفهوم النهضة؟ وكذا مفهوم المقومات؟

[النهضة لغة: هي الطاقة والقوة واليقظة والاستفاقة، فكل حركة انطلاق قوية إيجابية نحو المستقبل فهي نهضة، يقوم بها رجل أو جمع أو جيل ذكي لتغيير الواقع من جمود وركود إلى حياة اجتماعية متجددة متطورة]. وأما مفهوم النهضة اصطلاحا: فهي تأخذ نفس المعاني اللغوية،[فالنهضة هي الوثبة الصاعدة في سبيل التقدم الاجتماعي والاقتصادي وغيره خروجا من التخلف والعجز ليرتفع المجتمع بعد انحطاط، ويتحقق للقوم كمال السيادة والتفوق في عزة وكرامة، وأدنى مستوى النهضة بلوغ حد الاكتفاء الذاتي]. ومن ثم فالشعب الذي لا يحقق الاكتفاء الذاتي لنفسه لا ينعم بالعزة والكرامة الكاملة، فهو في عنت وهوان.

ما هو مفهوم المقومات؟ مقومات النهضة هي عناصرها وأسسها وعواملها التي تقوم عليها وبها، كقولنا مقومات العمران: كالعلم والتخطيط والتكامل، ومقومات الاتحاد بين المسلمين: كالأخوة الدينية والقرآن والسنة، ومقومات المدنية: كالتحضر والقيادة والانقياد، ومنظومة القيم كقيمة الوقت، وتبادل الاحترام، والتسامح، وقيمة الحوار،… إلخ.

وفي موضوعنا هذا عن مقومات النهضة الاقتصادية نذكر هذه المقومات:

المقوم الأول: إعداد الرجال ومن ثم الأجيال بالتربية والتعليم.

المقوم الثاني: العدل، فالتربية تنمي الطاقات وتبني القدرات عندما تكون المنظومة التربوية في الاتجاه الصحيح، والعدل يحمي النفوس والمواثيق والثروات. وهذا التلازم بين التربية والعدل في قيام النهضة الحضارية أمر أساس إذا وقع الخلل فيه لن يتقدم البلد ولن يذوق القوم طعم المدنية الإنسانية أبدا، لأن عكس التربية والعدل هو الجهل والظلم، وما ساد قوم فشا فيهم الجهل والظلم. ما هو الدليل على أن النهضة تبدأ بالتربية والتعليم، والعدل. كيف وبماذا أخرج النبي صلى الله عليه وسلم العرب وغيرهم من ظلمات الجاهلية إلى بناء أعظم دولة في التاريخ؟ اسمع القرآن:﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[آل عمران:164] بدأ النبي بناء الجماعة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الأمة، وكانت البداية التربية ثم التربية ثم التربية، يتلو عليهم آيات الله تعالى قراءة وتعليما وأمرا بالتطبيق، ويزكيهم بالتأديب والتهذيب والتدريب، ويعلمهم الكتاب والحكمة، كيف كانوا؟ في ضلال مبين. كيف صاروا؟ على صراط مستقيم. لما أعد الرجال الإعداد الصحيح، واصلوا الدعوة والإصلاح والبناء والفتوحات، فكانوا حقا خير أمة أخرجت للناس.

وكل الخلفاء المصلحين كانوا حريصين كل الحرص على أن يمكنوا للأمة بالتربية والتعليم والعدل في آن واحد. من أبي بكر الصديق، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم إلى كل الخلفاء الراشدين وكل الصالحين من بعدهم، فلما جاء من بعدهم من أفسدوا التربية والتعليم وأهملوا العدل فسدت المجتمعات وتخلف المسلمون.

ومن الاهتمام بقيمة (العدل) كمقوم أساس في بناء الدولة خطبة أبو بكر الصديق رضي الله عنه. لما ولي الخلافة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:[أما بعد، فإني قد وليت أمركم، ولست بخيركم، ولكنه نزل القرآن، وسن النبي صلى الله عليه وسلم، السنن، وعلمنا فعلمنا، فاعلموا أيها الناس، إن أكيس الكيس التقي وأعجز العجز الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متبع، ولست بمبتدع، فإذا أحسنت فأعينوني، وإن أنا زغت فقوموني، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم (ابن سعد في الطبقات: 169/2) قال مالك: لا يكون أحدًا إمامًا أبدًا إلا على هذا الشرط. وللشعور بالمسئولية قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان يفري فريه، ويخشى ربه، ويخدم رعيته، قال:[ لو أن بعيرا عثر بأرض العراق لخشيت أن يسألني ربي عنه يقول لي لِمَ لَمْ تعبد له الطريق؟] فلا تقوم النهضة بالتسيب وإهمال المشاريع، وإهمال الطرق والمواصلات.

المقوم الثالث: من مقومات النهضة الاقتصادية القصد في الإنفاق في سبيل الله، وحسن الاستثمار، واجتناب التبذير، وتطهير المجتمع من الفساد. قال الله تعالى:﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[البقرة: 195] ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة: ترك الجهاد والمرابطة في سبيل الله، وصرف المال في الشهوات والقصور والاستمتاع بحطام الدنيا وترك المصالح العامة من المشاريع الاقتصادية والثقافية والدفاعية، ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة التبذير والاختلاسات من المال العام، ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة التفريط في جمع الزكاة وصرفها في أبوابها المشروعة عندما فرط الملوك والسلاطين والأمراء في جمع الزكاة وفق أحكامها الشرعية، وفرضوا على الناس مكوسا وضرائب فسدت المجتمعات. ولذلك قاتل أبو بكر للمرتدين والذين امتنعوا عن إيتاء الزكاة. عن عمر رضي الله عنه قال:” لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي، فأتيت أبا بكر فقلت: يا خليفة رسول الله! تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش، فقال: رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك، جبارًا في الجاهلية خوارًا في الإسلام، بماذا عسيت أن أتألفهم؟ هيهات هيهات! والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالاً لقاتلتهم عليه”[ابن سعد في الطبقات: 169/2].

المقوم الرابع: التسيير الإداري الحكيم. والمسيرون الإداريون والمسيرون الاقتصاديون رجال هم المقصودون في المقوم الأول، إعداد قائد مسير مخلص أمين واحد خير من ألف مصنع وألف مزرعة. والمنطق يشهد بذلك، والتاريخ سجل لنا سير أبطال أتوا بالمعجزات عندما أتيحت لهم الفرص والإمكانات، والواقع يعرض الحقائق جلية أمام أعين الناس بلا غموض ولا التباس. ومن الرجال العظماء وهم كثير النبي يوسف عليه الصلاة والسلام ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[يوسف:55/56] ماذا كانت النتيجة عندما تولى الرجل الحفيظ العليم زمام تسيير مؤسسات الاقتصاد ومفاتيح أموال الأمة يتصرف فيه بالحكمة والأمانة والإخلاص، عندما وظف كل قيمة في مكانها وكل عامل في المنصب الذي يناسبه، وليقوم بالواجب بالتمام والكمال عن علم ومراقبة ومحاسبة؟ كانت النتيجة أنه أنقذ مصر يومها من أخطر أزمة كادت تعصف بهم، وحقق لهم نهضة في مستوى مكانة الأمة المتعلمة العادلة. ومن المسيرين العظماء المصلحين ذو القرنين. قال الله تعالى:﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾[سورة الكهف:84/85] ضرب أروع مثل في التسيير والعدل ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾[الكهف:88] وهكذا تقوم الدولة على قدرة التسيير العلمي الإداري والاقتصادي، وعلى الحزم والعدل. فعندما أعطيت ليوسف عليه السلام وذي القرنين الأسباب وسلطة التسيير، وسلطة القرار، ومفاتيح الخزائن، واتخذ كل منهما الأسباب المشروعة عن علم وحفظ، تحقق الأمن والاستقرار، والبركات والازدهار.

المقوم الخامس: استثمار الزمن بحسن التخطيط (من القول الْمُسَلَّمْ شعبٌ لا يحترمُ الوقتَ لا يتقدمْ ) يقول بعض رجال الفكر: الحضارة قوامها: الأرض، والإنسان، والزمن. ولكن هذا الكلام لا يستقيم هكذا على إطلاقه، فمن هو هذا الإنسان الذي يبني الحضارة؟، وبم يتعامل مع الأرض وكيف؟ وكيف يستثمر الزمن. فهناك ملايين من البشر يملكون الأراضي الواسعة، ولهم الزمن كغيرهم ولكنهم متخلفون في الاقتصاد، رغم أنهم يملكون الأراضي أكثر وأحسن من المتقدمين عنهم؟ ففي القضية أسرار!!!

                        

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

نفــــوس ونــفــــوس ومــا فــي خلــــق الله من العبــــر والـــدروس

الشيخ محمد مكركب أبران/ نفوس جبلت على الخير، مُنطوية على العطف والحب والرحمة، قد تتعثر …