الرئيسية | اتجاهات | قمة بيروت الاقتصادية / محمد الحسن أكيلال

قمة بيروت الاقتصادية / محمد الحسن أكيلال

 

كل الشكر للبنان الذي احتضن قمة عربية خاصة بالأوضاع الاقتصادية العربية والشكر كل الشكر لــــ “جبران باسيل” وزير الخارجية الذي ترأس الندوة التحضيرية لوزراء الخارجية على كلمته البليغة والصريحة رغم انضباطها وإذعانها للقيود الدبلوماسية، فقد حاول قدر إمكانه خدش الجروح وإزالة قشورها المتعفنة بالكثير من الدم الفاسد والقيح خلال السنوات السبعة عشر الماضية عن قمة بيروت العادية التي تبنت أسوء تعابير الاستسلام للعدو الصهيوني رغم إعلانه الرفض لتلك المبادرة المشؤومة (مبادرة السلام كخيار استراتيجي).

قدر بيروت أن يختارها العرب لعقد القمم الاستثنائية في الظروف الاستثنائية، ربما لأن بيروت العاصمة الاستثنائية لجمهورية استثنائية كما قررت ذلك ذات يوم فرنسا الاستعمارية حين وضعت يدها منتدبة نفسها لحماية الجزء الشمالي من سوريا      – بلاد الشام – بالاتفاق مع زميلتها بريطانيا الاستعمارية التي وضعت يدها بدورها على الجزء الجنوبي.

هذا القدر الذي اختار بيروت عاصمة للعرب ليوم أو يومين في عام 2002 فقط ليفاوضوا العدو الصهيوني بطريقتهم ولو في شكل جواب على إجراءاته وأعماله الإجرامية في فلسطين منذ اتفاق أوسلو. للتذكير فإن العدو استغل الوعود والتوقعات والأطماع التي بناها على أمل قدرته على إقناع السلطة الفلسطينية بقبول الأمر الواقع الذي فرضه على الأرض بواسطة القوة الغاشمة التي مزقت الأراضي الفلسطينية المحتلة بواسطة المستوطنات والجدار العازل والطرق السريعة والسكك الحديدية والمعابر وهدم منازل المواطنين بدعاوى ومبررات لا وجود لها إلاّ في الأوراق والوثائق والمستندات المزورة.

هذه الممارسات والأعمال جعلت العرب يعقدون قمة في بيروت عام 2002 بعد إتمام صياغة مشروع المبادرة من طرف ولي العهد السعودي الأمير “عبد اللـه” قبل تتويجه ملكا فيما بعد ووضعت أمام الملوك والرؤساء والحكام العرب عدا الراحل المرحوم “ياسر عرفات” الذي حرمته الحكومة الإسرائيلية من الحضور واكتفاؤه بالمشاركة عن طريق الأقمار الصناعية ليظهر في الشاشة وهو سجين مقره في رام الــله محاط بالجنود الصهاينة ودباباتهم التي تدمر أسوار هذا المقر ومكاتبه إلاّ الغرفة الوحيدة التي يتواجد فيها. كان الحكام والملوك والرؤساء العرب يرون كل ذلك بأمهات أعينهم ومع ذلك قدمت لهم المبادرة للتصديق فكانت النتيجة كالعادة بالإجماع مع تحفظات البعض رغم كونهم يعلمون أن مبادرة ترفضها الحكومة الإسرائيلية جملة وتفصيلا بدليل ما فعلوا بـــ “ياسر عرفات” وما تحدث به رئيس حكومتهم مع بعض أصدقائه من أولئك المجتمعين بواسطة الهاتف الخلوي.

منهجية لتنفيذ الاستراتيجية     

لبنان الاستثنائي جغرافيا وديمغرافيا، تاريخيا وثقافيا ودينيا أريد له أن يبقى استثناء سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا.

قدره أن يكون أرضا جبلية ساحرة تضلل سفوحه أشجار الأرز والسنديان والخروب والجوز والصفصاف وتخترقها جداول وأنهار ينابيع تتغذى طوال العام من ذوبان الثلوج التي لا تغادر قممه الشماء بقايا السنة الماضية حتى تدثرها تساقطات      وهطول السنة القادمة.

لبنان الجميل الذي أعطى الأدب العربي خيرة أدبائه وشعرائه في عصر النهضة، هذا لبنان أرادوه أن يكون كما كان متعثرا تصل به الأحداث إلى أن يستدعى ذات يوم رئيس وزرائه إلى عاصمة دولة عربية فيختطف فيها ويحتجز ويكره على تقديم استقالته من رئاسة الحكومة لسبب بسيط هو أنه اقتنع بالظروف الموضوعية التي تقتضيها الشؤون السياسية المفروضة على وطنه من طرف الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وفرنسا ووكيلتهما المحتلة لفلسطين منذ سبعين عاما والتي تريد أن تفرض عليه شروطها المتمثلة في البقاء أعزل لا سلاح له ولا مقاومة ترد عليه العدوان.

هذه الموكلة على أرض فلسطين وحلفاؤها من عرب الخليج أرادوا من بيروت في عام 2002 أن تحتضن منبر إعلان الاستسلام، وهذه المرة حين أرادت بيروت أن تغير المنبر أو تغير الإعلان من المنبر الذي احتضنته فوجئت بمقاطعة أغلبية الملوك والأمراء والرؤساء العرب الذين يخجلون من حكومة تل أبيب. في هذه المرة مؤتمر قمة اقتصادية من المفروض أن يعلن رفضه لما أعلنته إسرائيل من تأسيسها لمنتدى الغاز لشرق المتوسط، هذا الغاز الذي استخرجته إسرائيل في الجرف القاري للمياه الإقليمية العربية – مصرية وفلسطينية – حاولت أن تستخرجه من مياه لبنانية فرفض، ورفضه هذه المرة أعلنه بقوة الحديد والنار التي تسلحت بها المقاومة اللبنانية الباسلة التي أجابت إسرائيل وحلفاءها من الأعراب عام 2006 حيث كان أول نصر للعرب على جيش الاحتلال الذي كان يقال عنه أنه لا يقهر.

إن استراتيجية الاستعمار الموضوعة من طرف الدولتين الأوروبيتين بريطانيا وفرنسا عام 1916 هي نفسها الاستراتيجية التي اعتمدتها أمريكا بعد إزاحتهما من المستعمرات مع تعديل وتحسين للمنهجية، لأن هذه الاستراتيجية في الحقيقة من وضع الحركة الصهيونية العالمية التي تمسك بتلابيب أغلبية الدول الإمبريالية الرأسمالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية حاليا؛ كيف يفهم سر صمتها الرهيب والمريب وهي تتفرج على ممارسات وجرائم دولة الكيان الصهيوني في فلسطين؟ كيف يفسر تغاضيها عن التهام كل الأراضي المحتلة عام 1967 ورفضها قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس كما ينص ذلك قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1948؟

المأساة والكارثة أن تعلن دولة الكيان الصهيوني عن هذه المؤسسة الاقتصادية الاستراتيجية العملاقة التي أشركت فيها كلا من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا ومالطا واليونان وأن تبدأ أول تصدير لها إلى مصر التي اتفقت معها على إيقاف الانتاج في أراضيها.

أهداف إسرائيل من المشروع

أبسط بسطاء المحاولين لتتبع الشأن السياسي أو التفكير يستطيع أن يدرك بدون أدنى جهد مرامي وأهداف العدو الصهيوني، فهو اختار الزمان والمكان دون تردد، كما أنه يعرف الطرف الآخر الذي يناوئه مناوئة ليس إلاّ: لأن الصراع معه انتهى منذ توقيع اتفاقية “كامب ديفيد” مع مصر السادات وزالت حتى آثاره منذ قمة بيروت عام 2002 الذي صادق على مبادرة المملكة العربية السعودية – السلاح كخيار استراتيجي- والدليل ما يسمع ويرى في الفضائيات من تصريحات لرئيس الحكومة الصهيونية عن العلاقات الجيدة التي تربط دولته بكثير من الدولة العربية وعلى رأسها مصر السيسي الذي يعتبره مع ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” كنزين لدولة إسرائيل.

إن إسرائيل وهي تعلن عن مشروعها الاقتصادي (منتدى غاز شرق المتوسط) فهي بهذا المشروع تستهدف ما يلى:

  • سياسيا تقوم بعملية ابتزاز للدولة الجزائرية التي لا يختلف اثنان على كونها تستأثر بحصة هامة من السوق الأوروبية، وإسرائيل بلوبياتها في الدول الأوروبية وخاصة الغربية منها كفرنسا وإيطاليا تتوقع أن تسحب البساط من تحت أقدام الجزائريين فيها وفي ذلك ضغط عليها للدفع بها للالتحاق بالدول العربية التي سعت وما تزال لتطبيع العلاقات معها.
  • اقتصاديا، رغم كونها الدولة الأقوى اقتصاديا في كل جغرافيا الشرق الأوسط فإنها وهي تقترب من تحقيق حلمها المتمثل في الجلوس على عرش كل المنطقة كأقوى قوة إقليمية تقف في وجه إيران وروسيا والصين مستقبلا، فهي تعمل على زيادة مداخيلها وتقوية سلاسل إنتاجها في كل المجالات لتصبح الدولة الأقوى والأكبر التي تخلف الولايات المتحدة الأمريكية في التسلط والسيطرة على المنطقة والمناطق المجاورة كآسيا الصغرى وإفريقيا وأوروبا الشرقية ولم كل أوروبا؟

لهذا السبب كانت كلمة “جبران باسيل” وزير الخارجية اللبناني فيها الكثير مما يثلج الصدر، وخاصة في الفقرة التي تتعلق بسوريا التي كان يمكن أن تحضر المؤتمر لولا تدخل الولايات المتحدة على الخط عن طريق وزير خارجيتها ومستشارها للأمن القومي الذين وشوشوا في آذان المسؤولين المصريين والخليجيين طالبين منهم التوقف عن المسعى بما في ذلك فتح السفارات.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

هــــذا هــو البيـــت السعيـــد

عبد العزيز كحيل/ عند المسلمين الملتزمين بدينهم ليس البيت مجرد مأوى يتلاقى فيه أفراده للطعام …